شرح «أدب القاضي للخصاف» للصدر الشهيد - ت الأفغاني
حتى أستشير أصحابي (١)! فاستشار أبا يوسف، فقال: لو تقلّدت لنفعت الناس! فنظر إليه شبه المغضب (٢) وقال: أرأيت لو أُمرت أن أعبر البحرَ سباحةً أكنت أقدر عليه! وكأني بك قاضيًا. وكذا محمَّد ﵀ عرض عليه القضاء (٣) فأبى حتى حبس وقيد فاضطر فتقلد حينئذٍ.
قال ﵀: والحاصل (٤) أن الدخول في القضاء عن اختيار رخصة، والامتناعَ عزيمة، أما الدخول رخصة لما تقدم (٥) والامتناع عزيمة لوجهين: أحدهما أنه مأمور بالقضاء بالحق وقد يظن أنه يقضي بحق ولا يتهيأ له ذلك (٦) والثاني أنه لا يقدر على القضاء إلَّا بمن يعينه وقد يجد من يعينه وقد لا يجد فكان الامتناع هو العزيمة والدخول رخصة هو المختار في هذا الباب والله أعلم بالصواب (٧).
باب الدخول (٨) في القضاء
افتتح صاحب الكتاب بحديث عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ (٩) "يجاء بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يودّ أنه لم يكن قضى بين اثنين" ورد الحديث (١٠) للتحذير عن طلب القضاء والدخول فيه، فإنّ الحديث ورد في حق العدل، فما ظنك بغير العدل (١١)! وشدة الحساب تشمل كل القضاة إلَّا أن الله ﷿ ينجي العادل بعدله ويبقى الجائر في وبال ما صنع (١٢).