نيل الأماني من فتاوى القاضي محمد بن اسماعيل العمراني
س: نحن في قرية إمام الجامع يقرأ في الركعتين الأوليتين الفاتحة وسورة قصيرة، وأما الركعة الثالثة فلا يقرأ فيها قرآناً وإنما يسبح ويهلل، وعندما أخبرناه أنه لا بد من قراءة الفاتحة أفاد أنه على حق وأنه لا يُقرأ في الثالثة والرابعة الفاتحة ولم يقتنع بما قلناه من وجوب قراءة الفاتحة، فماذا نصنع؟
جـ: هذا الذي عمله هذا الإمام من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير في الركعتين الأخيرتين من الصلاة هو المذهب المروي عن إبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وهما من أعلام التابعين، وهو مذهب علماء الزيدية في (مجموع الإمام زيد بن علي) الذي رواه عنه أبو خالد الواسطي وهو أيضاً في (أصول الأحكام) للإمام أحمد بن سليمان وفي (الشفاء) للأمير الحسين وفي (متن الأزهار) وفي (البحر الزخار) للإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، وفي (الروض النضير) للقاضي حسين السياغي، وفي (الغطمطم التيار) لابن حريوه السماوي وغيرها من مؤلفاتهم المخطوطة والمطبوعة، ولهم على هذا القول أدلة قد تبلغ إلى سبعة ولكنها عند التأمل لا تدل على مشروعية التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير في الركعتين الأخيرتين من الصلاة بدلاً عن فاتحة الكتاب لأن بعضها خارج عن الموضوع وبعضها لم يصح سنده عند علماء الحديث وبعضها من باب القياس الذي لم تتحقق فيه العلة، كما أنها مصادمة للنص الصريح الصحيح المرفوع إلى رسول الله ﷺ ألا وهو حديث المسيء صلاته الذي من ألفاظه (إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا) (١)، فمن جملة ما احتجوا به حديث عبدالله بن أبي أوفى عند أبي داوود والترمذي مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ أنه قال للرجل الذي أتى يشكو أنه لا يستطيع أن يحفظ شيئاً من القرآن فقال له الرسول ﷺ: (قُلْ سبْحَانَ اللّهِ وَالْحَمْدُ لِلّهِ وَلَا إلَهَ إلاّ اللّهُ وَاللّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلاّ بِاللّهِ) (٢) ويجاب عن هذا الدليل بأنه خارج عن الموضوع لأنه مشروط بأن المصلي لا يستطيع أن يقرأ الفاتحة ولا غيرها من سور وآيات القرآن الكريم، حيث ونص الحديث مصرح بأنه خاص بمن لا يحفظ الفاتحة ولا غيرها لا لكل مصل كما هو مطلوب، فالدليل هذا خارج عن محل النزاع فلا يصح الاستدلال به أبداً، ومما احتجوا به (خذوا جنتكم من النار، قالوا: يا رسول الله من عدو قد حضر؟ قال لا، بل من النار، قالوا: وما جنتنا من النار؟ قال: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإنها تأتي يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومجنبات ومن الباقيات الصالحات) (٣).
وهكذا احتجوا بحديث أبي هريرة عند الترمذي مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قالوا: وما الرتع؟ قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) (٤)، ويجاب عن هذا الإحتجاج وعن الذي قبله بأن كل واحد من الدليلين غير مفيد