Skip to content

المحلى بالآثار مسألة قتل مؤمنا عمدا وهو يدري أنه مسلم

المحلى بالآثار

ابن حزم

Printed page ١٠/ ٢٦١

وَلَيْتَ شِعْرِي: عَلَى مَا يَعْهَدُ النَّاسُ أَيَكُونُ مُثْلَةً أَعْظَمَ مِنْ قَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ، وَفَقْءِ الْعَيْنَيْنِ، وَجَدْعِ الْأَنْفِ، وَالْأُذُنَيْنِ، وَبَرْدِ الْأَسْنَانِ، وَقَطْعِ الشَّفَتَيْنِ - وَهُمْ مُوَافِقُونَ لَنَا عَلَى أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ أَنْ يُفْعَلَ بِمَنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِهِ ظَالِمًا، فَلَوْ تَرَكُوا التَّحَكُّمَ لَكَانَ أَوْلَى؟ وَلَقَدْ قَالُوا: إنَّ مَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ، فَإِنْ قَطَعَ بَعْدَ ذَلِكَ الطَّرِيقَ لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ الثَّانِيَةُ وَلَا رِجْلُهُ.

وَنَظُنُّ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ مَنْ قَطَعَ يَدَ آخَرَ وَرِجْلَهُ: أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ وَرِجْلُهُ فَإِنْ قَالُوا ذَلِكَ، لَاحَ تَنَاقُضُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَقُولُوهُ زَادُوا فِي الْبَاطِلِ وَمَنْعِ الْحَقِّ.

؟ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْحُدُودِ فَخَطَأٌ، وَكَلَامُ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ تِلْكَ الْمَشَاهِدَ، وَلَا ذَكَرَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ مَنْ شَهِدَهَا: فَهُوَ لَا شَيْءَ.

وَحَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي مَوَّهُوا بِهِ لَمْ يُسْمَعْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَطُّ يَخْطُبُ إلَّا نَهَى عَنْ الْمُثْلَةِ أَعْظَمُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فِي كَذِبِهِمْ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِفِعْلِهِ ﵊ بِاَلَّذِينَ قَتَلُوا الرِّعَاءَ؛ لِأَنَّ أَنَسًا صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَازَمَهُ خَادِمًا لَهُ مِنْ حِينِ قَدِمَ ﵇ الْمَدِينَةِ إلَى حِينِ مَوْتِهِ ﷺ فَصَحَّ يَقِينًا قَطْعًا بِلَا شَكٍّ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسٌ خُطْبَتَهُ ﵊ وَنَهْيَهُ عَنْ الْمُثْلَةِ قَبْلَ فِعْلِهِ ﵊ بِاَلَّذِينَ قَتَلُوا الرِّعَاءَ - فَبَطَلَ ضَرُورَةً أَنْ يَكُونَ الْمُتَقَدِّمُ نَاسِخًا لِلْمُتَأَخِّرِ، وَبِاَللَّهِ إنَّ ضَرْبَ الْعُنُقِ بِالسَّيْفِ لَأَعْظَمُ مُثْلَةً - وَلَقَدْ شَاهَدْنَاهُ فَرَأَيْنَاهُ مَنْظَرًا وَحْشًا، وَكَأَنَّهُ جَسَدٌ بِأَرْبَعَةِ أَفْخَاذٍ.

فَظَهَرَ فَسَادُ احْتِجَاجِهِمْ بِالْمُثْلَةِ - وَصَحَّ أَنَّ كُلَّ مَا أَمَرَ بِهِ ﵊ فَلَيْسَ هُوَ مُثْلَةٌ، إنَّمَا الْمُثْلَةُ مِنْ فِعْلِ مَا نَهَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مُتَعَدِّيًا وَلَا مَزِيدَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى مَاتَ» فَلَا شَكَّ، وَلَا خِلَافَ، فِي أَنَّ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ كُلَّهَا هِيَ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ، فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ، فِي إنْسَانٍ وَاحِدٍ، فَقَوْلُ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ: «فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ.» وَقَوْلُ شُعْبَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ: «فَأَمَرَ بِهِ فَرُضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ.» وَقَوْلُ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: «فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُرَضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ الْحِجَارَةِ:»