Skip to content

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Printed page ١/ ٣٥٥

وقد حكى عثمان بن سعيد الدَّارميّ اتفاق الصّحابة على أنّه لم يره.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وليس قول ابن عباس: "إنّه رآه" مناقضًا لهذا، ولا قوله: "رآه بفؤاده" وقد صحّ عنه أنه قال: "رأيتُ ربِّي ﵎، ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لما احتُبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربَّه ﵎ تلك اللَّيلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد رحمه اللَّه تعالى وقال: "نعم رآه حقًّا"؛ فإنّ رؤيا الأنبياء حقّ، ولا بدَّ، ولكن لم يقلْ أحمد رحمه اللَّه تعالى: إنه رآه بعيني رأسه يقظةً، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه، ولكن قال مرة: "رآه"، ومرة قال: "رآه بفؤاده". فحُكيتْ عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرُّف بعض أصحابه:

"إنّه رآه بعيني رأسه". وهذه نصوص أحمد موجودة، ليس فيها ذلك.

وأمّا قول ابن عباس: "إنّه رآه بفؤاده مرّتين". فإن كان استناده إلى قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [سورة النجم: ١١]، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [سورة النجم: ١٣]، والظَّاهر أنه مستنده؛ فقد صحّ عنه ﷺ أنّ هذا المرئي جبريل، رآه مرتين في صورته التي خُلق عليها، وقول ابن عباس هذا هو مستند الإمام أحمد في قوله: "رآه بفؤاده" واللَّه أعلم.

وأمّا قوله تعالى في سورة النَّجم ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [سورة النجم: ٨] فهو غير الدّنو والتَّدلي في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبريل وتدلّيه، كما قالت عائشة وابن مسعود، والسّياق يدلُّ عليه، فإنه قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [سورة النجم: ٥] وهو جبريل، ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [سورة النجم: ٦ - ٨]. فالضَّمائر كلُّها راجعة إلى هذا المعلِّم الشَّديد القوى، وهو ذو المرَّة، أي القوة، وهو الذي استوى بالأفق الأعلى، وهو الذي دني فتدلّى، فكان من محمد ﷺ قدر قوسين أو أدنى. فأمّا الدّنو والتدلي الذي في حديث الاسراء، فذلك صريح في أنه دنو الرّب ﵎ وتدلّيه، ولا تعرَّض في سورة النّجم لذلك، بل فيها أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، وهذا هو جبريل، رآه محمد ﷺ على صورته مرّتين: مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى، واللَّه أعلم". انظر: "زاد المعاد" (٣/ ٣٦ - ٣٨).

قلت: دنو الرَّب ﵎ وتدلّيه الذي في حديث الإسراء فقد سبق الكلامُ عليه بأنَّ هذا مما أخطأ فيه شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر، واللَّه أعلم.

٥١ - باب رؤية النّبيّ ﷺ ربّه في المنام

• عن معاذ بن جبل، قال: احتُبس عنّا رسول اللَّه ﷺ ذات غداة عن صلاة الصُّبح حتى كدنا نتراءى قرن الشّمس، فخرج سريعًا فثوَّب بالصَّلاة، فصلَّى رسول اللَّه ﷺ وتجوَّز في صلاته، فلمّا سلّم دعا بسوطه قال لنا: "على مصافِّكُم كما أنتم". ثم انفتل إلينا ثم قال: "أما إني سأحدِّثكم ما حبسني عنكم الغداة، إنِّي قمتُ