Skip to content

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Printed page ٣/ ٥٧٨

غَالِبٍ. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ للحارث: ( «أَيْنَ تَرَكْتَ أَهْلَكَ؟ قَالَ بِسَلَاحَ وَمَا وَالَاهَا. قَالَ وَكَيْفَ الْبِلَادُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّا لَمُسْنِتُونَ مَا فِي الْمَالِ مُخٌّ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اللَّهُمَّ اسْقِهِمُ الْغَيْثَ» " فَأَقَامُوا أَيَّامًا ثُمَّ أَرَادُوا الِانْصِرَافَ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَجَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُوَدِّعِينَ لَهُ، فَأَمَرَ بلالا أَنْ يُجِيزَهُمْ، فَأَجَازَهُمْ بِعَشْرِ أَوَاقٍ فِضَّةً، وَفَضَلَ الحارث بن عوف أَعْطَاهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ فَوَجَدُوا الْبِلَادَ مَطِيرَةً، فَسَأَلُوا: مَتَى مُطِرْتُمْ؟ فَإِذَا هُوَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ، وَأَخْصَبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِلَادُهُمْ) .

[فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ خَوْلَانَ]

(وَقَدِمَ عَلَيْهِ ﷺ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ سَنَةَ عَشْرٍ وَفْدُ خَوْلَانَ، وَهُمْ عَشَرَةٌ فَقَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ عَلَى مَنْ وَرَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا، وَنَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﷿، وَمُصَدِّقُونَ بِرَسُولِهِ، وَقَدْ ضَرَبْنَا إِلَيْكَ آبَاطَ الْإِبِلِ، وَرَكِبْنَا حُزُونَ الْأَرْضِ وَسُهُولَهَا، وَالْمِنَّةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ عَلَيْنَا، وَقَدِمْنَا زَائِرِينَ لَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ مَسِيرِكُمْ إِلَيَّ فَإِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خَطْوَةٍ خَطَاهَا بَعِيرُ أَحَدِكُمْ حَسَنَةً، وَأَمَّا قَوْلُكُمْ زَائِرِينَ لَكَ، فَإِنَّهُ مَنْ زَارَنِي بِالْمَدِينَةِ كَانَ فِي جِوَارِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا السَّفَرُ الَّذِي لَا تَوَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَا فَعَلَ عَمُّ أَنَسٍ ". - وَهُوَ صَنَمُ خَوْلَانَ الَّذِي كَانُوا يَعْبُدُونَهُ - قَالُوا: أَبْشِرْ، بَدَّلَنَا اللَّهُ بِهِ مَا جِئْتَ بِهِ، وَقَدْ بَقِيَتْ مِنَّا بَقَايَا - مِنْ شَيْخٍ كَبِيرٍ وَعَجُوزٍ كَبِيرَةٍ - مُتَمَسِّكُونَ بِهِ، وَلَوْ قَدِمْنَا عَلَيْهِ لَهَدَمْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقَدْ كُنَّا مِنْهُ فِي غُرُورٍ وَفِتْنَةٍ.

فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " وَمَا أَعْظَمُ مَا رَأَيْتُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ؟ " قَالُوا: لَقَدْ رَأَيْتُنَا أَسْنَتْنَا حَتَّى أَكَلْنَا الرِّمَّةَ، فَجَمَعْنَا مَا قَدَرْنَا عَلَيْهِ، وَابْتَعْنَا بِهِ مِائَةَ ثَوْرٍ وَنَحَرْنَاهَا " لِعَمِّ أَنَسٍ " قُرْبَانًا فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَتَرَكْنَاهَا تَرِدُهَا السِّبَاعُ، وَنَحْنُ أَحْوَجُ إِلَيْهَا مِنَ السِّبَاعِ، فَجَاءَنَا الْغَيْثُ