Skip to content

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Printed page ٣/ ٥٦٨

[فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ تُجِيبَ]

وَقَدِمَ عَلَيْهِ ﷺ وَفْدُ تُجِيبَ وَهُمْ مِنَ السَّكُونِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا قَدْ سَاقُوا مَعَهُمْ صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ وَأَكْرَمَ مَنْزِلَهُمْ، وَقَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ: سُقْنَا إِلَيْكَ حَقَّ اللَّهِ فِي أَمْوَالِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (رُدُّوهَا فَاقْسِمُوهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قَدِمْنَا عَلَيْكَ إِلَّا بِمَا فَضَلَ عَنْ فُقَرَائِنَا، فَقَالَ أبو بكر: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا وَفَدَ مِنَ الْعَرَبِ بِمِثْلِ مَا وَفَدَ بِهِ هَذَا الْحَيُّ مِنْ تُجِيبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ الْهُدَى بِيَدِ اللَّهِ ﷿، فَمَنْ أَرَادَ بِهِ خَيْرًا شَرَحَ صَدْرَهُ لِلْإِيمَانِ " وَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَشْيَاءَ، فَكَتَبَ لَهُمْ بِهَا، وَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ، فَازْدَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ رَغْبَةً، وَأَمَرَ بلالا أَنْ يُحْسِنَ ضِيَافَتَهُمْ، فَأَقَامُوا أَيَّامًا وَلَمْ يُطِيلُوا اللُّبْثَ، فَقِيلَ لَهُمْ: مَا يُعْجِبُكُمْ؟ فَقَالُوا: نَرْجِعُ إِلَى مَنْ وَرَاءَنَا فَنُخْبِرُهُمْ بِرُؤْيَتِنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَلَامِنَا إِيَّاهُ، وَمَا رَدَّ عَلَيْنَا، ثُمَّ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُوَدِّعُونَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ بِلَالًا فَأَجَازَهُمْ بِأَرْفَعِ مَا كَانَ يُجِيزُ بِهِ الْوُفُودَ. قَالَ: " هَلْ بَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدٌ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. غُلَامٌ خَلَّفْنَاهُ عَلَى رِحَالِنَا هُوَ أَحْدَثُنَا سِنًّا، قَالَ: " أَرْسِلُوهُ إِلَيْنَا "، فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى رِحَالِهِمْ، قَالُوا لِلْغُلَامِ: انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاقْضِ حَاجَتَكَ مِنْهُ، فَإِنَّا قَدْ قَضَيْنَا حَوَائِجَنَا مِنْهُ وَوَدَّعْنَاهُ، فَأَقْبَلَ الْغُلَامُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرُؤٌ مِنْ بَنِي أَبْذَى، يَقُولُ: مِنَ الرَّهْطِ الَّذِينَ أَتَوْكَ آنِفًا، فَقَضَيْتَ حَوَائِجَهُمْ، فَاقْضِ حَاجَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " وَمَا حَاجَتُكَ؟ "، قَالَ إِنَّ حَاجَتِي لَيْسَتْ كَحَاجَةِ أَصْحَابِي، وَإِنْ كَانُوا قَدِمُوا رَاغِبِينَ فِي الْإِسْلَامِ، وَسَاقُوا مَا سَاقُوا مِنْ صَدَقَاتِهِمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْمَلَنِي مِنْ بِلَادِي إِلَّا أَنْ تَسْأَلَ اللَّهَ ﷿ أَنْ يَغْفِرَ