زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني
لَا يَسْقُطُ الْحَقُّ لِثُبُوتِهِ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ وَالْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِتَلَفِ الْوَثِيقَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وأحمد: تَتَعَيَّنُ الدِّيَةُ فِي تَرِكَتِهِ، لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ مِنْ غَيْرِ إِسْقَاطٍ، فَوَجَبَ الدِّيَةُ لِئَلَّا يَذْهَبَ الْوَرَثَةُ مِنَ الدَّمِ وَالدِّيَةِ مَجَّانًا. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ لَوِ اخْتَارَ الْقِصَاصَ، ثُمَّ اخْتَارَ بَعْدَهُ الْعَفْوَ إِلَى الدِّيَةِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: هَذَا فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ أَعْلَى، فَكَانَ لَهُ الِانْتِقَالُ إِلَى الْأَدْنَى. وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَارَ الْقِصَاصَ فَقَدْ أَسْقَطَ الدِّيَةَ بِاخْتِيَارِهِ لَهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهَا بَعْدَ إِسْقَاطِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تَجْمَعُونَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ: ( «مَنْ قَتَلَ عَمْدًا، فَهُوَ قَوَدٌ» ) .
قِيلَ: لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ، فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْقَوَدِ بِقَتْلِ الْعَمْدِ، وَقَوْلُهُ: " فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ "، يَدُلُّ عَلَى تَخْيِيرِهِ بَيْنَ اسْتِيفَاءِ هَذَا الْوَاجِبِ لَهُ، وَبَيْنَ أَخْذِ بَدَلِهِ وَهُوَ الدِّيَةُ، فَأَيُّ تَعَارُضٍ؟ وَهَذَا الْحَدِيثُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] [الْبَقَرَةِ: ١٧٨] ، وَهَذَا لَا يَنْفِي تَخْيِيرَ الْمُسْتَحِقِّ لَهُ بَيْنَ مَا كُتِبَ لَهُ، وَبَيْنَ بَدَلِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ في إِبَاحَةُ قَطْعِ الْإِذْخِرِ]
فَصْلٌ
وَقَوْلُهُ ﷺ فِي الْخُطْبَةِ " إِلَّا الْإِذْخِرَ "، بَعْدَ قَوْلِ العباس لَهُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ. يَدُلُّ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: إِبَاحَةُ قَطْعِ الْإِذْخِرِ.