شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم
وعن عائشة ﵂ قالت: نهاهم رسول الله (١) ﷺ عن الوصال رحمةً لهم، فقالوا: إنك تواصل. فقال: «إني لستُ كهيئتكم، إني يُطعمني ربي ويَسقيني» أخرجاه (٢).
وعن أبي سعيد الخدري: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا تواصلوا، فأيّكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السّحَر» قالوا: إنك تواصل يا رسول الله، قال: «لستُ كهيئتكم، إني أبيتُ لي مُطعِمٌ يُطعمني وساقٍ يَسقيني» رواه البخاري (٣).
وتفسيره في أظهر (٤) الوجهين: أن الله يغذّيه بما يُغنيه عن الأكل والشرب المعتاد من العلم والإيمان، لقوله: «أظلُّ عند ربي» وذاك إنما يكون بالنهار، ولو أكَلَ الأكلَ المعتادَ بالنهار (٥) لأفطر، ولأنه (٦) بيَّن أنه يواصل، ولو كان يأكل لم يكن مواصلًا.
وأطلق أصحابنا الكراهةَ، وهذه كراهةُ تنزيهٍ فيما ذكر أصحابنا؛ لأن أصحاب رسول الله واصلوا بعد نهيهم، ولو فهموا منه التحريمَ لَمَا استجازوا أن يعصوا الله ورسوله، بل فهموا أنه نَهَى رحمةً ورفقًا بهم، فظنوا أن بهم قوّةً