Skip to content

المحلى بالآثار مسألة قتل مؤمنا عمدا وهو يدري أنه مسلم

المحلى بالآثار

ابن حزم

Printed page ١٠/ ٢٤٨

فَإِذَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الدِّيَةَ، أَوْ رَسُولُهُ ﷺ فَقَدْ وَجَبَ أَحَدُهُمَا عَلَى رَغْمِ أَنْفِ الزَّاعِمِ - رَضِيَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ أَوْ كَرِهَ - طَابَتْ نَفْسُهُ، أَوْ خَبُثَتْ كَمَا قُلْنَا.

وَقَالُوا فِي الْعَاقِلَةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالنَّفَقَاتِ الْوَاجِبَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَلَوْ أَنَّهُمْ احْتَجُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِهَذَيْنِ النَّصَّيْنِ حَيْثُ أَوْجَبُوا الدِّيَةَ عَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، وَإِنْ كَرِهُوا وَلَمْ تَطِبْ أَنْفُسُهُمْ وَلَا رَضُوا وَلَا أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ، وَلَا رَسُولُهُ ﵊ لَكَانَ أَوْلَى بِهِمْ - وَهَذَا هُوَ الْأَكْلُ لِلْمَالِ بِالْبَاطِلِ حَقًّا.

وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷿: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَ ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فَحَقٌّ كُلُّ ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] ، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إمَّا أَنْ يُقَادَ وَإِمَّا أَنْ يُودَى» حُكْمٌ زَائِدٌ عَلَى تِلْكَ الْآيَاتِ، وَأَحْكَامُ اللَّهِ ﷿، وَأَحْكَامُ رَسُولِهِ ﷺ كُلُّهَا حَقٌّ يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ - وَلَا يَحِلُّ خِلَافُ شَيْءٍ مِنْهَا.

وَلَوْ أَنَّهُمْ احْتَجُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِهَذِهِ الْآيَاتِ حَيْثُ خَالَفُوهَا مِنْ إسْقَاطِهِمْ الْقَوَدَ لِلْوَلَدِ مِنْ أَبِيهِ، وَإِسْقَاطِ الْقَوَدِ لِمَنْ لَمْ يَعْفُ مِنْ أَجْلِ عَفْوِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَإِسْقَاطِ بَعْضِهِمْ الْقَوَدَ لِلْعَبْدِ مِنْ الْحُرِّ -: لَكَانَ أَوْلَى بِهِمْ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷿: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] فَحَقٌّ، وَبِهِ نَقُولُ: إذَا اخْتَارَ الْقَوَدَ فَلْيَقْتُلْ قَاتِلَ وَلِيِّهِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُسْرِفَ فَيَقْتُلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ - وَلَيْسَ هَاهُنَا ذِكْرُ الدِّيَةِ الَّتِي قَدْ وَرَدَ حُكْمُهَا فِي نَصٍّ آخَرَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَا يَخْلُو وَلِيُّ الْمَقْتُولِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْقِصَاصُ، أَوْ أَخْذُ الدِّيَةِ بَدَلًا مِنْ الْقِصَاصِ.

قَالُوا: وَلَمْ نَجِدْ قَطُّ حَقًّا لِإِنْسَانٍ يَكُونُ لَهُ أَخْذُ بَدَلٍ مِنْهُ بِغَيْرِ رِضَا الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ - فَهَذَيَانٌ نَسَوْا فِيهِ أَقْوَالَهُمْ الْفَاسِدَةَ.