Skip to content

المحلى بالآثار مسألة قتل مسلم عاقل بالغ ذميا أو مستأمنا

المحلى بالآثار

ابن حزم

Printed page ١٠/ ٢٣٢

مَوْعُودُونَ عَلَى قَتْلِهِمْ بِأَعْظَمِ الْأَجْرِ، أَيُمْكِنُ أَنْ يَظُنَّ مَنْ بِهِ طَبَاخٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَعَ هَذَا الْحَالِ وَأَمْرِهِ ﵊ بِالْجِهَادِ يَتَكَلَّفُ أَنْ يُخْبِرَنَا أَنَّنَا لَا نُقْتَلُ بِالْحَرْبِيِّينَ إذَا قَتَلْنَاهُمْ، مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ؟ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِهِمْ السَّخِيفِ: أَنَّهُ ﵊ أَرَادَ أَنْ لَا يُقْتَلَ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ إذَا قَتَلَهُ خَطَأً - هَذَا وَاَللَّهِ يَقِينُ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُوجِبِ لِلنَّارِ، وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَسَعَ هَذَا فِي دِمَاغِ مَنْ بِهِ مِسْكَةُ عَقْلٍ أَنْ يَكُونَ مُذْ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﵊ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَدْ أَمِنَّا أَنْ يُقْتَلَ مِنَّا أَحَدٌ بِأَلْفِ كَافِرٍ قَتَلَهُمْ خَطَأً ثُمَّ يَتَكَلَّفُ ﵊ إخْبَارَنَا بِأَنْ لَا يُقْتَلَ الْمُؤْمِنُ بِكَافِرٍ قَتَلَهُ خَطَأً ثُمَّ لَا يُبَيِّنُ لَنَا ذَلِكَ إلَّا بِكَلَامٍ مُجْمَلٍ لَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنْهُ هَذَا الْمَعْنَى، إنَّمَا يَأْتِي بِهِ الْمُتَكَلِّفُونَ لِنَصْرِ الْبَاطِلِ، وَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الَّذِي أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَأَمَرَهُ رَبُّهُ تَعَالَى بِالْبَيَانِ لَنَا: فَلَا، وَلَا كَرَامَةَ، لَقَدْ نَزَّهَهُ اللَّهُ ﷿ عَنْ هَذَا وَبَاعَدَهُ عَنْ أَنْ يَظُنَّ بِهِ ذَلِكَ مُسْلِمٌ.

وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ ﵊ «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، إنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ - وَقَدْ صَحَّ - بِلَا خِلَافٍ - وُجُوبُ قَتْلِ الْمُعَاهَدِ بِالذِّمِّيِّ.

فَصَحَّ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِالْكَافِرِ: الْحَرْبِيَّ.

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: وَهَذَا كَذِبٌ آخَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُوجِبٌ لِصَاحِبِهِ وُلُوجَ النَّارِ وَاللَّعْنَةَ، إذْ تَحَكَّمُوا فِي كَلَامِهِ ﵊ بِلَا دَلِيلٍ، وَلَيْسَ إذَا وُجِدَ نَصٌّ قَدْ قَامَ الْبُرْهَانُ: بِأَنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا وَجَبَ أَنْ يَحْكُمَ فِي نَصٍّ آخَرَ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ بِلَا دَلِيلٍ، كَمَا أَنَّهُ إذْ وُجِدَ نَصٌّ مَنْسُوخٌ لَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي نَصٍّ آخَرَ لَمْ يَأْتِ دَلِيلٌ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ: هَذَا مَنْسُوخٌ - هَذِهِ صِفَةُ الْكَذَّابِينَ الْفُسَّاقِ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ ﷿، وَعَلَى رَسُولِهِ ﷺ بِالْكَذِبِ.

وَقَالُوا: إنَّ الشَّعْبِيَّ هُوَ أَحَدُ رُوَاةِ ذَلِكَ الْخَبَرِ وَهُوَ يَرَى قَتْلَ الْمُؤْمِنِ بِالذِّمِّيِّ؟ فَقُلْنَا: هَذَا لَمْ يَصِحَّ قَطُّ عَنْ الشَّعْبِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ إلَّا ابْنُ أَبِي لَيْلَى - وَهُوَ سَيِّئُ الْحِفْظِ، وَدَاوُد بْنُ يَزِيدَ الزَّغَافِرِيُّ - وَهُوَ سَاقِطٌ.