Skip to content

المحلى بالآثار مسألة ميراث الأم

المحلى بالآثار

ابن حزم

Printed page ٨/ ٢٧٢

الْأَمْصَارِ، فَعُثْمَانُ رَأَى هَذَا حُجَّةً، وَابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يَرَهُ حُجَّةً، وَالْمَرْجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ هُوَ الْقُرْآنُ، وَالسُّنَّةُ، وَنَصُّهُمَا يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَكَمْ قَضِيَّةٍ خَالَفُوا فِيهَا عُثْمَانَ، وَعُمَرَ: كَتَقْوِيمِهِمَا الدِّيَةَ بِالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَالْحُلَلِ، وَإِضْعَافِهَا فِي الْحَرَمِ - وَالْقَضَاءِ بِوَلَدِ الْغَارَةِ رَقِيقًا لِسَيِّدِ أُمِّهِمْ فِي كَثِيرٍ جِدًّا.

وَمَنْ ادَّعَى مِثْلَ هَذَا إجْمَاعًا - وَمُخَالِفُ الْإِجْمَاعِ - عِنْدَهُمْ كَافِرٌ: فَابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى قَوْلِهِمْ كَافِرٌ، إذْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ هَذَا، بَلْ مُكَفِّرُهُ أَحَقُّ بِالْكُفْرِ وَأَوْلَى.

وَأَمَّا الْخَطَأُ مَعَ قَصْدِ الْحَقِّ فَلَا يُرْفَعُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَخَوَانِ يَقَعُ عَلَيْهِمَا اسْمُ إخْوَةٍ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ: حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ، وَقَدْ اجْتَمَعَا عَلَى خِلَافِ هَذَا، وَبِنْيَةُ اللُّغَةِ مُكَذِّبَةٌ لِهَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ بِنْيَةَ التَّثْنِيَةِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي بِهَا خَاطَبَنَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﵊ غَيْرُ بِنْيَةِ الْجَمْعِ بِالثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: الرَّجُلَانِ قَامُوا، وَلَا الْمَرْأَتَانِ قُمْنَ.

وَاحْتَجُّوا فِي هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَيْنِ، وَالْوَاجِبُ قَطْعُهُمَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.

وَذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ إنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنْ اثْنَيْنِ فَإِنَّهُ يُخْبَرُ عَنْهُمَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ، قَالَ الرَّاجِزُ:

وَمَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرَّتَيْنِ ... ظَهْرَاهُمَا مِثْلَ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ

فَهَذَا بَابٌ مَضْبُوطٌ لَا يُتَعَدَّى

وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٣] وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا نُكْرَةَ فِي دُخُولِهِمَا وَمَعَهُمَا غَيْرُهُمَا.

وَذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: ٨٣] وَهَذَا عَلَيْهِمْ، لَا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَةً: يُوسُفُ، وَأَخُوهُ الْأَصْغَرُ الْمُحْتَبَسُ عَنْ الصُّوَاعِ، وَكَبِيرُهُمْ الَّذِي قَالَ ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: ٨٠] .