Skip to content

المحلى بالآثار مسألة البيع بالبرائة من كل عيب

المحلى بالآثار

ابن حزم

Printed page ٧/ ٥٤٣

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ شَغَبًا غَيْرَ هَذَا، فَأَمَّا «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» فَقَدْ قَدَّمْنَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ لَا يَصِحُّ وَأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ شُرُوطَ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَتْ إلَّا الشُّرُوطَ الَّتِي نَصَّ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى إبَاحَتِهَا وَرَسُولُهُ ﷺ لَا شُرُوطًا لَمْ يُبِحْهَا اللَّهُ - تَعَالَى - وَلَا رَسُولُهُ ﵇ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَهُوَ بَاطِلٌ» .

وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا، وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ - وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَا فَرْقَ بَيْنَ تَفْصِيلِ الْعُيُوبِ وَبَيْنَ إجْمَالِهَا، فَكَذَبُوا، بَلْ بَيْنَهُمَا أَعْظَمُ الْفَرْقِ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَمَّى الْعَيْبَ وَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَدْ صَدَقَ وَبَرِئَ مِنْهُ، وَإِذَا أَجْمَلَ الْعُيُوبَ فَقَدْ كَذَبَ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّ الْعُيُوبَ تَتَضَادُّ، فَصَارَتْ صَفْقَةً انْعَقَدَتْ عَلَى الْكَذِبِ فَهِيَ مَفْسُوخَةٌ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ فَرْقٌ بَيْنَ صَفْقَةِ صِدْقٍ وَصَفْقَةِ كَذِبٍ - وَأَمَّا الصَّحَابَةُ: فَقَدْ اخْتَلَفُوا وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا لِتَعَرِّيهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ.

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلْنَذْكُرْ الْآنَ الْبُرْهَانَ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا بِحَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَقُوَّتِهِ -: وَهُوَ أَنَّ مَنْ بَاعَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُقَامَ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ إنْ وُجِدَ، فَهُوَ بَيْعٌ فَاسِدٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ انْعَقَدَ عَلَى شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى -، فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلِأَنَّهُ غِشٌّ، وَالْغِشُّ مُحَرَّمٌ.

قَالَ ﵇: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَقَالَ ﵇: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» .

وَمَنْ بَاعَ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ: فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ لَا يُقَامَ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ إنْ وُجِدَ، وَأَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْهُ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَيْعَ هَكَذَا بَاطِلٌ أَوْ يَكُونَ أَرَادَ فِيهِ كُلَّ عَيْبٍ فَهَذَا بَاطِلٌ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّ الْحُمَّى عَيْبٌ، وَهِيَ مِنْ حَرٍّ، وَالْفَالِجُ عَيْبٌ وَهُوَ مِنْ بَرْدٍ، وَهُمَا مُتَضَادَّانِ.

وَكُلُّ بَيْعٍ انْعَقَدَ عَلَى الْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ انْعَقَدَ عَلَى أَنَّهُ لَا صِحَّةَ لَهُ إلَّا