Skip to content

المحلى بالآثار مسألة غصب شيئا وهو يظن أنه له

المحلى بالآثار

ابن حزم

Printed page ٦/ ٤٣٨

رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ: سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ «أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ أَهْدَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ وَيَوْمِهَا: جَفْنَةً مِنْ حَيْسٍ، فَقَامَتْ عَائِشَةُ فَأَخَذَتْ الْقَصْعَةَ فَضَرَبَتْ بِهَا الْأَرْضَ فَكَسَرَتْهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى قَصْعَةٍ لَهَا فَدَفَعَهَا إلَى رَسُولِ زَيْنَبَ، فَقَالَ: هَذِهِ مَكَانُ صَحْفَتِهَا - وَقَالَ لِعَائِشَةَ: لَكِ الَّتِي كَسَرْتِ» فَهَذَا قَضَاءٌ بِالْمِثْلِ لَا بِالدَّرَاهِمِ بِالْقِيمَةِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُمَا قَضَيَا عَلَى مَنْ اسْتَهْلَكَ فُصْلَانًا بِفُصْلَانٍ مِثْلِهَا.

وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعَلِيٍّ: أَنَّهُمَا قَضَيَا بِالْمِثْلِ فِيمَنْ بَاعَ بَعِيرًا وَاسْتَثْنَى جِلْدَهُ، وَرَأْسَهُ، وَسَوَاقِطَهُ.

وَعَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَالْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَقَتَادَةَ، فِي فِدَاءِ وَلَدِ الْغَارَّةِ بِعَبِيدٍ لَا بِالْقِيمَةِ.

وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ: أَنَّهُ قَضَى فِي قَصَّارٍ شَقَّ ثَوْبًا أَنَّ الثَّوْبَ لَهُ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَوْ ثَمَنُهُ؟ فَقَالَ شُرَيْحٌ: إنَّهُ كَانَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ ثَمَنِهِ، قَالَ: إنَّهُ لَا يَجِدُ، قَالَ: لَا وَجَدَ.

وَعَنْ قَتَادَةَ: أَنَّهُ قَضَى فِي ثَوْبٍ اُسْتُهْلِكَ بِالْمِثْلِ.

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَمْ نُورِدْ قَوْلَ أَحَدٍ مِمَّنْ أَوْرَدْنَا احْتِجَاجًا بِهِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَاهُ لِئَلَّا يَهْجُمُوا بِدَعْوَى الْإِجْمَاعِ جُرْأَةً عَلَى الْبَاطِلِ، فَإِنْ قَالُوا: فَإِنَّكُمْ لَا تَقْضُونَ بِالْمَكْسُورِ لِلْكَاسِرِ، فَقَدْ خَالَفْتُمْ الْحَدِيثَ؟ قُلْنَا: حَاشَا لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .

فَعَلِمْنَا أَنَّهُ ﵇ لَا يُعْطِي أَحَدًا غَيْرَ حَقِّهِ، وَلَا أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، وَلَمْ يَقُلْ ﵇: إنَّهَا لَك مِنْ أَجْلِ كَسْرِك إيَّاهَا فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِ مَنْ نَسَبَ إلَيْهِ هَذَا الْحُكْمَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَهُ ﵇.

فَصَحَّ بِذَلِكَ يَقِينًا أَنَّ تِلْكَ الْكِسَارَةَ الَّتِي أَعْطَى لِعَائِشَةَ ﵂ لَا تَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا -: إمَّا أَنَّهَا لَمْ تَصْلُحْ لِشَيْءٍ فَأَبْقَاهَا كَمَا يَحِلُّ لِكُلِّ إنْسَانٍ مِنَّا مَا فَسَدَ جُمْلَةً مِنْ مَتَاعِ غَيْرِهِ وَلَمْ يَنْتَفِعْ مِنْهُ شَيْءٌ.