Skip to content

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية صفات صلاة الوتر

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Printed page ٢/ ٢٣٩

وعلى كل حال: الذي يظهر لي أن الاحتمال الثاني أقرب، بمعنى: أن يصلي أربعًا متشابهات، لكن على ركعتين ركعتين ليوافق الأحاديث العامة في أن صلاة الليل مثنى مثنى، ولكن لما كانت هذه الأربعة الأولى متشابهات، ثم يفصل، ثم يأتي بأربع أخرى قالت: "يصلي أربعًا، ثم يصلي أربعً"، فهذا يدل على أن الأفضل للإنسان ألا يزيد على إحدى عشرة ركعة، لكن إذا كان نشيطًا ومعه وقت فيطل القراءة والركوع والسجود والقعود، وإن كان الوقت قليلًا أو ليس عنده نشاك فليقصر، كما كان النبي ﷺ يفعل، فإنه كان يقوم ويصوم ويترك الصون والقيام- يعني: طول القيام- كل ذلك بحسب حاله، وهكذا ينبغي للإنسان في عبادة ربه أن يعطي النفس حظها، فإذا كلت من عمل معين واتجهت إلى آخر- وكل منهما ليس بواجب- فإنه قد يكون الخير في المفضول، لاتجاه النفس بله وقبولها إياه، فيكون الإنسان في عبادة الله ﷿ بسحب انشراح صدره، وطمأنينة قلبه، وهذا في غير الواجبات، أما الواجبات فلابد منها.

وفي هذا الحديث دليل على أن النبي ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه، فالأشياء المحسوسة ينام عنها، وأما الأشياء التي تتعلق بالقلب فإنه لا ينام عنها، ولذلك لما ساروا في الليل في بعض أسفاره وعرسوا في آخر ولما نزلوا قال: "من يرقب لنا الصبح؟ "، فقال بلال: أنا يا رسول الله، ولكنهم ناموا جميعًا حتى طلعت الشمس، فلم يعلم النبي ﷺ بطلوع الفجر؛ لأن عينه تنام، وطلوع الفجر أمر حسي يدرك بالرؤية، وأما الأمر الذي يتعلق بالقلب والعقل فإن الرسول ﷺ لا ينام عنه، ولذلك قال أهل العلم: أن نوم النبي ﷺ لا ينقض وضوءه، وقال: إن الرسول ﷺ لا يحتلم؛ لأن الاحتلام من الشيطان، ولأن الاحتلام لا يكون إلا إذا نام القلب، أما مع يقظة القلب فالاحتلام لا يأتي، وهذا كله داخل في قوله ﷺ: "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي"، فما يدرك بالقلب فالرسول ﷺ لا ينام عنه، وما يدرك بالعين وبالحس فإن الرسول ﷺ كغيره من الناس ينام عنه.

صفات صلاة الوتر:

٣٥٩ - وعنها ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجل في شيء إلا في آخرها".

٣٦٠ - وعنها ﵂ قالت: "من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ فانتهى وتره إلى السحر". متفق عليهما.

هذا الحديث الأول أن الرسول ﷺ كان يوتر أحيانًا بخمس ركعات لا يجلي إلا في آخرهن، وهذا أحد صفات الوتر؛ لأن الوتر قد يكون بركعة وبثلاث وبخمس وبسبع وبتسع