Skip to content

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية كتاب الجنائز النهي عن البناء على القبور وتجصيصها

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Printed page ٢/ ٥٩٧

وثانيًا: أن التراب إذا كان بأصل الخلقة فإنه منكبس تمامًا، بخلاف ما إذا حفر فإنه يتفرق ويتفتت فلابد أن يرتفع هذا التراب الدفين عن التراب الأصلي، ولكن هل يضاف إليه شيء من تراب آخر؟ الجواب: لا، لأنه ورد النهي عن ذلك أن يضاف إلى القبر شيء من تراب آخر؛ ولأنه لو أضيف شيء لارتفع ارتفاعًا أكثر من المعتاد وصار في ذلك فتح ذريعة لأن تشيد القبور وترفع وتعلى، وقد قال علي ﵁ لأبي الهياج: "ولا قبرًا مشرفًا إلا سوّيته".

النهي عن البناء على القبور وتجصيصها:

٥٥٣ - ولمسلمٍ عنه ﵁: "نهى رسول الله ﷺ أن يجصَّص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبني عليه".

قوله: "نهى رسول الله ﷺ" النهي هو: طلب الكف على وجه الاستعلاء بصيغة معينة خاصة وهي "لا" المقرونة بالفعل لمضارع، قولنا: "طلب الكف"، خرج به الأمر فليس نهيًا؛ لأن الأمر طلب الفعل، وقولنا: "على وجه الاستعلاء" خرج به الدعاء، وخرج به الالتماس؛ لأن الداعي يدعو لا على أنه أعلى من المدعو، بل على أنه أقل وأدنى مع أن الصيغة صيغة نهي، كقوله تعالى: ﴿ربَّنا لا تؤاخذنا إن نَّسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وخرج به أيضًا الالتماس وهو: أن يطلب الكف من مساوٍ له، فهذا يسمى عند أهل البلاغة: التماسًا، مثل أن يقول الزميل لزميله: "لا تكتب كذا" هذا يلتمس التماسًا، وخرج بقولنا: "بصيغة معينة هي المضارع المقرون بلا" خرج بذلك ما دل على النهي بصيغته التركيبية أو من حيث المادة، ما دل على النهي بمادته مثل: اجتنب، اترك، كف، هذا طلب ترك، لكن ليس بالصيغة المعينة فلا يكون نهيًا، لكن معناه نهي، إذن نهي الرسول ﷺ يعني: قال: "لا تفعلوا كذا".

فإن قلت: هل هذا من باب الصريح المرفوع صريحًا، أو من باب المرفوع حكمًا؟

قلت: هذا من باب المرفوع صريحًا؛ لأنه أضاف النهي إلى رسول الله ﷺ، أما لو قال: "نهينا" أو "نهي الناس" لكان من المرفوع حكمًا.

ولكن قد يقول قائل: لماذا عدل الصحابي عن قوله: قال النبي ﷺ: "لا تجصصوا القبور"؟

قلنا: لعل الصحابي اختلطت عليه الصيغة المعينة التي نطق بها الرسول ﷺ فنقلها بالمعنى.

فإن قلت: إذا كان كذلك أفلا يمكن أن يكون الصحابي فهم النهي من قول الرسول ﷺ والنبي ﷺ لم ينه عنه؟ هذا احتمال، لكن بعيد؛ لأن الصحابي يعلم اللغة العربية ويعرف ما يراد به النهي وما يراد به الخبر، وما يراد به الأمر، ولا يمكن أن يكون صحابة النبي ﷺ الملازمون