Skip to content

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية صيغ التشهد ومعانيها

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Printed page ٢/ ١٥٤

سفيان ومن معه، فهنا أراد الله ﷿ بهذا العموم شيئًا خاصًا، وهذا ما يعبر عنه أصول الفقه بالعام الذي أريد به الخاص، إذا قال الإنسان: "بيوتي وقف"، ثم قال: "أردت من بيوتي ثلاثة" وهن ثلاثون بيتًا يقبل أو لا يقبل؟ يقبل؛ لأنه يجوز أن يريد المتكلم لا باللفظ العام بعض أفراده، ويسمى العام الذي أريد به الخصوص، قال: "نسائي طوالق" وعنده أربع يطلقن؟ يطلقن، إذا قال: "ما أردت إلا فلانة؟ " يقبل؛ لأنه أراد بهذا الآن الخصوص فيصح. لكن لو قال: "نسائي الأربع طوالق" ثم قال: "ما أردت إلا فلانة". لا يقبل، لأنه نص على العدد فلا يقبل.

الشاهد: أن الأصل في العام أنه يشمل جميع الأفراد، ولذلك لو جاء ذلك في لفظ عام: وقال: يخرج منه كذا وكذا؛ فلك أن تطالبه بالدليل؛ لأن الحجة معك، تقول: ما الدليل على أن هذا الفرد خرج من العموم والإنسان عنده دليل من النبي ﷺ: "إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض"، إذا دلت القرينة على أن المراد المخصوص، يعني مثلًا قال: أكرم الطلبة، ومعلوم أن الطلبة فيهم صنف مهملون، وفيهم صنف يحضرون بالأبدان ولا يحضرون بالقلوب، والرجل قال لخادمه: أكرم الطلبة، هل يكرم كل الطلبة؟ إذا نظرنا إلى اللفظ قلنا إنه: يكرمهم كلهم، لكن إذا نظرنا للمعنى وأنه إنما أراد إكرام من هو مجتهد نحمل اللفظ على الخاص بالقرينة.

ومن فوائد هذا الحديث: الإقرار لله ﷿ بالتوحيد، الإقرار باللسان المطابق بالقلب: "أشهد أن لا إله إلا الله".

ومنها: أن التعبير بـ"أشهد" يدل على كمال اليقين، لأن الأصل في الشهادة ما شوهد، فإذا كمل اليقين عبر عنه بالشهادة.

ومن فوائد هذا الحديث: أن لا إله حق إلا الله ﷿ وجميع الآلهة باطلة، قال الله ﷿: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ [النجم: ٢٣]. نقول: لما قالت قريش: إن اللات إله هل صار بذلك إلهًا؟ أبدًا، ولا العزى ولا هبل ولا غيرها، كل مما سوى الله ممن يتعبد له فهو باطل.

ومن فوائد هذا الحديث: علو قدر النبي ﷺ وعظيم حقه لقوله: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، ووجه ذلك: أن النبي ﷺ ذكر هذه الشهادة بعد شهادة أن لا إله إلا الله، فدل هذا على أن حق النبي ﷺ بعد حق الله ولا يشاركه مخلوق في هذا الحق.

فإن قال قائل: ألم يقل الله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا﴾ [النساء: ٣٦]؟

فالجواب: بلى، لكن عباد الله لا تتحقق حتى يشهد الإنسان أن محمدًا رسول الله ويتبع شريعته، ولهذا لا يشكل عليك أن الله لم يذكر حق الرسول في هذه الآية، لأننا نقول: عبادة الله تتحقق إلا باتباع الرسول ﷺ ولا يتبع إلا بعد الشهادة له بالرسالة.