Skip to content

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية الباقيات الصالحات

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Printed page ٦/ ٤٧٦

حال؛ يعني: لا تتحول الأحوال من حال إلى حال إلا بالله، ولا يستطيع أحد أن يحول الرخاء إلى شدة والشدة إلى رخاء إلا الله ﷿، فيكون "حول" بمعنى: تحول أو بمعنى تحويل، تحول إذا كان التحول بذات الشيء تحويل إذا كان بفعل فاعل.

وقوله: "ولا قوة" أي: لا قوة على هذا التحول إلا بالله ﷿، يعني: لا أحد يقوى على تحويل شيء إلى شيء أو التحول من شيء إلى شيء إلا بالله ﷿، وعلى هذا فيكون معنى هذه الجملة العظيمة التبرؤ من الحول والقوة، وتفويض ذلك إلى الله ﷿ وحده؛ ولهذا كانت هذه الكلمة كلمة استعانة، والذين يأتون بها في محل كلمة الاسترجاع إنما يقصدون بذاك الاستعانة على الصد على هذه المصيبة، أعنى: أن كثيراً من الناس إذا أصيب بمصيبة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، إذا قيل له: حصل كذا وكذا من المعاصي وغيرها يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن المشروع أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا هو ذكر المصائب، لكن من قال: لا حول ولا قوة إلا

بالله عند المصائب له وجه، وهو أنه قصد الاستعانة على الصبر الذي هو مأمور به، نحن إذا سمعنا المؤذن يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح، نقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، استرجاعاً أو استعانة؟ استعانة؛ لأن المؤذن دعاك: حي على الصلاة أقبل، حي على الفلاح الذي يكون بالصلاة، فنقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا الذكر متضمن لقول السامع سمعنا وأطعنا.

في هذا الحديث: الحث على قول هذه الأذكار وهي: "لا إله إلا بالله، وسبحان الله، والله أكبر، والحمد لله، ، ، ولا حول ولا قوة إلا بالله"، وهل يشترط أن يقولها جميعاً وإلا لم تكن من الباقيات؟ الجواب: لا؛ لأن الرسول ﷺ لم يقل: الباقيات الصالحات أن يقول كذا وكذا حتى مقول: إن الكلام جملة واحدة، ولكنه قال: الباقيات هذه وهذه وهذه وهذه، وعلى هذا فيكون كل واحدة من الباقيات الصالحات.

ومن فوائد الحديث: أن الذي يبقى للإنسان هو العمل الصالح، وأما المال والبنون فإن استعان بذلك على طاعة الله صارت من الباقيات وإلا فهي من الفانيات، تفنى بفناء الدنيا.

ومن فوائد هذا الحديث: تفسير القرآن بالسنة، وهذا له أمثلة كثيرة، وقد قال العلماء ﵏: إن الواجب في التفسير أن ترجع أولاً تفسير الله ﷿، ثم إلى تفسير الرسول، ثم إلى تفسير الصحابة، ثم إلى تفسير علماء التفسير من التابعين، فهذه أربع رتب: الرتبة الأولى: الرجوع إلى تفسير الله، فالله تعالى أعلم بمراده، فإذا فسر شيئاً بشيء فلا عدول عنه، مثال ذلك: ﴿القارعة * ما القارعة * وما أدراك ما القارعة * يوم يكون الناس ... ﴾ [القارعة: ١ - ٤]. وأمثلته كثيرة، ثم تفسير النبي ﷺ؛ لأنه أعلم الخلق بمراد الله كما معنا في هذا الحديث: الباقيات