Skip to content

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Printed page ١/ ٣١٢

يَجِئْ مَا يَنْسَخُهُ عَنْهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] . فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ التَّطَوُّعَ، لَمْ يَخُصُّهُ بِكَوْنِهِ نَافِلَةً لَهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالنَّافِلَةِ الزِّيَادَةُ، وَمُطْلَقُ الزِّيَادَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّطَوُّعِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] [الْأَنْبِيَاءِ: ٧٢] ، أَيْ: زِيَادَةً عَلَى الْوَلَدِ، وَكَذَلِكَ النَّافِلَةُ فِي تَهَجُّدِ النَّبِيِّ ﷺ زِيَادَةٌ فِي دَرَجَاتِهِ، وَفِي أَجْرِهِ، وَلِهَذَا خَصَّهُ بِهَا، فَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مُبَاحٌ، وَمُكَفِّرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَأَمَّا النَّبِيُّ ﷺ، فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَهُوَ يَعْمَلُ فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ وَعُلُوِّ الْمَرَاتِبِ، وَغَيْرُهُ يَعْمَلُ فِي التَّكْفِيرِ.

قَالَ مجاهد: إِنَّمَا كَانَ نَافِلَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَكَانَتْ طَاعَتُهُ نَافِلَةً، أَيْ: زِيَادَةً فِي الثَّوَابِ، وَلِغَيْرِهِ كَفَّارَةً لِذُنُوبِهِ، قَالَ ابن المنذر فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا يعلى بن أبي عبيد، حَدَّثَنَا الحجاج، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مجاهد قَالَ: مَا سِوَى الْمَكْتُوبَةِ، فَهُوَ نَافِلَةٌ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ فِي كَفَّارَةِ الذُّنُوبِ، وَلَيْسَتْ لِلنَّاسِ نَوَافِلُ، إِنَّمَا هِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً، وَالنَّاسُ جَمِيعًا يَعْمَلُونَ مَا سِوَى الْمَكْتُوبَةِ لِذُنُوبِهِمْ فِي كَفَّارَتِهَا.

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عبد الله، حَدَّثَنَا عمرو، عَنْ سعيد وقبيصة، عَنْ سفيان، عَنْ أبي عثمان، عَنِ الحسن فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] . قَالَ: (لَا تَكُونُ نَافِلَةُ اللَّيْلِ إِلَّا لِلنَّبِيِّ ﷺ

وَذُكِرَ عَنِ الضحاك، قَالَ: نَافِلَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً.

وَذَكَرَ سليم بن حيان، حَدَّثَنَا أَبُو غالب، حَدَّثَنَا أبو أمامة، قَالَ: إِذَا وَضَعْتَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ، قُمْتَ مَغْفُورًا لَكَ، فَإِنْ قُمْتَ تُصَلِّي، كَانَتْ لَكَ فَضِيلَةً وَأَجْرًا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أبا أمامة، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَ يُصَلِّي تَكُونُ لَهُ نَافِلَةً؟ قَالَ: لَا، إِنَّمَا النَّافِلَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ نَافِلَةً، وَهُوَ يَسْعَى فِي الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا؟! تَكُونُ لَهُ