زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الشَّدْخَةِ عِنْدَ جِدَارِ الطَّائِفِ، دَخَلَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ دَبَّابَةٍ، ثُمَّ دَخَلُوا بِهَا إِلَى جِدَارِ الطَّائِفِ لِيُحْرِقُوهُ، فَأَرْسَلَتْ عَلَيْهِمْ ثَقِيفٌ سِكَكَ الْحَدِيدِ مُحْمَاةً بِالنَّارِ، فَخَرَجُوا مِنْ تَحْتِهَا، فَرَمَتْهُمْ ثَقِيفٌ بِالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ رِجَالًا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ أَعْنَابِ ثَقِيفٍ، فَوَقَعَ النَّاسُ فِيهَا يَقْطَعُونَ.
قَالَ ابن سعد: فَسَأَلُوهُ أَنْ يَدَعَهَا لِلَّهِ وَلِلرَّحِمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «فَإِنِّي أَدَعُهَا لِلَّهِ وَلِلرَّحِمِ» " فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَيُّمَا عَبْدٍ نَزَلَ مِنَ الْحِصْنِ وَخَرَجَ إِلَيْنَا فَهُوَ حُرٌّ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ بَضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مِنْهُمْ أبو بكرة، فَأَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَدَفَعَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَمُونُهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً.
وَلَمْ يُؤْذَنْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي فَتْحِ الطَّائِفِ، وَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نوفل بن معاوية الديلي، فَقَالَ: مَا تَرَى؟ فَقَالَ ثَعْلَبٌ: فِي جُحْرٍ إِنْ أَقَمْتَ عَلَيْهِ أَخَذْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَضُرَّكَ.
فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالرَّحِيلِ، فَضَجَّ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ وَقَالُوا: نَرْحَلُ وَلَمْ يُفْتَحْ عَلَيْنَا الطَّائِفُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «فَاغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ» ) ، فَغَدَوْا، فَأَصَابَتِ الْمُسْلِمِينَ جِرَاحَاتٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ( «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ) فَسُرُّوا بِذَلِكَ وَأَذْعَنُوا، وَجَعَلُوا يَرْحَلُونَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ، فَلَمَّا ارْتَحَلُوا وَاسْتَقَلُّوا، قَالَ قُولُوا: ( «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» ) ، وَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ عَلَى ثَقِيفٍ. فَقَالَ: ( «اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا وَائْتِ بِهِمْ» )