Skip to content

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Printed page ٣/ ٢١٤

ثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ عَفَا عَنْهُمْ، لِأَنَّ هَذَا الْفِرَارَ لَمْ يَكُنْ عَنْ نِفَاقٍ وَلَا شَكٍّ، وَإِنَّمَا كَانَ عَارِضًا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ فَعَادَتْ شَجَاعَةُ الْإِيمَانِ وَثَبَاتُهُ إلَى مَرْكَزِهَا وَنِصَابِهَا.

ثُمَّ كَرَّرَ عَلَيْهِمْ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذَا الَّذِي أَصَابَهُمْ إنَّمَا أُتُوا فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ، وَبِسَبَبِ أَعْمَالِهِمْ، فَقَالَ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٥] ، وَذَكَرَ هَذَا بِعَيْنِهِ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] [الشُّورَى: ٣٠] ، وَقَالَ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] [النِّسَاءِ: ٧٩] ، فَالْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ هَاهُنَا: النِّعْمَةُ وَالْمُصِيبَةُ، فَالنِّعْمَةُ مِنَ اللَّهِ مَنَّ بِهَا عَلَيْكَ، وَالْمُصِيبَةُ إنَّمَا نَشَأَتْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ وَعَمَلِكَ، فَالْأَوَّلُ فَضْلُهُ، وَالثَّانِي عَدْلُهُ، وَالْعَبْدُ يَتَقَلَّبُ بَيْنَ فَضْلِهِ وَعَدْلِهِ، جَارٍ عَلَيْهِ فَضْلُهُ مَاضٍ فِيهِ حُكْمُهُ، عَدْلٌ فِيهِ قَضَاؤُهُ.

وَخَتَمَ الْآيَةَ الْأُولَى بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] إعْلَامًا لَهُمْ بِعُمُومِ قُدْرَتِهِ مَعَ عَدْلِهِ، وَأَنَّهُ عَادِلٌ قَادِرٌ، وَفِي ذَلِكَ إثْبَاتُ الْقَدَرِ وَالسَّبَبِ، فَذَكَرَ السَّبَبَ وَأَضَافَهُ إِلَى نُفُوسِهِمْ، وَذَكَرَ عُمُومَ الْقُدْرَةِ وَأَضَافَهَا إِلَى نَفْسِهِ، فَالْأَوَّلُ يَنْفِي الْجَبْرَ، وَالثَّانِي يَنْفِي الْقَوْلَ بِإِبْطَالِ الْقَدَرِ، فَهُوَ يُشَاكِلُ قَوْلَهُ: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨] [التّكْوِيرِ: ٣٠] .

وَفِي ذِكْرِ قُدْرَتِهِ هَاهُنَا نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ، وَهِيَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ بِيَدِهِ وَتَحْتَ قُدْرَتِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي لَوْ شَاءَ لَصَرَفَهُ عَنْكُمْ، فَلَا تَطْلُبُوا كَشْفَ أَمْثَالِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا تَتَّكِلُوا عَلَى سِوَاهُ، وَكَشَفَ هَذَا الْمَعْنَى وَأَوْضَحَهُ كُلَّ الْإِيضَاحِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦] ، وَهُوَ الْإِذْنُ الْكَوْنِيُّ الْقَدَرِيُّ، لَا الشَّرْعِيُّ الدِّينِيُّ، كَقَوْلِهِ فِي السِّحْرِ: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] [الْبَقَرَةِ: ١٠٢] .

ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ حِكْمَةِ هَذَا التَّقْدِيرِ، وَهِيَ أَنْ يَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ عِلْمَ عِيَانٍ وَرُؤْيَةٍ يَتَمَيَّزُ فِيهِ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْآخَرِ تَمْيِيزًا ظَاهِرًا، وَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ هَذَا التَّقْدِيرِ