زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني
تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَى قُتِلَ. فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ» ) .
وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِلْءَ كَفِّهِ مِنَ الْحَصْبَاءِ، فَرَمَى بِهَا وُجُوهَ الْعَدُوِّ، فَلَمْ تَتْرُكْ رَجُلًا مِنْهُمْ إِلَّا مَلَأَتْ عَيْنَيْهِ، وَشُغِلُوا بِالتُّرَابِ فِي أَعْيُنِهِمْ، وَشُغِلَ الْمُسْلِمُونَ بِقَتْلِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَأْنِ هَذِهِ الرَّمْيَةِ عَلَى رَسُولِهِ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] [الْأَنْفَالِ: ١٧] .
وَقَدْ ظَنَّ طَائِفَةٌ أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى نَفْيِ الْفِعْلِ عَنِ الْعَبْدِ، وَإِثْبَاتِهِ لِلَّهِ، وَأَنَّهُ هُوَ الْفَاعِلُ حَقِيقَةً، وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُمْ مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ مَذْكُورَةٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَثْبَتَ لِرَسُولِهِ ابْتِدَاءَ الرَّمْيِ، وَنَفَى عَنْهُ الْإِيصَالَ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ بِرَمْيَتِهِ فَالرَّمْيُ يُرَادُ بِهِ الْحَذْفُ وَالْإِيصَالُ، فَأَثْبَتَ لِنَبِيِّهِ الْحَذْفَ، وَنَفَى عَنْهُ الْإِيصَالَ.