شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم
جَلَبةَ رجال. فلما صلَّى قال: «ما شأنكم؟» قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال: «فلا تفعلوا. إذا أتيتم الصلاةَ فعليكم السكينة. فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتِمُّوا» (١) متفق عليهما.
فعلى هذا، يُكرَه الإسراعُ الشديد مطلقًا، وإن فاته بعضُ الصلاة، لنهي النبيِّ [ص ٢٣٤]ﷺ عن ذلك. ويكره الإسراع اليسير، إلّا إذا خاف فوتَ تكبيرة الافتتاح، وطمِع في إدراكها، لما ذكره الإمام أحمد عن أصحاب رسول الله ﷺ: أنهم كانوا يعجِّلون شيئًا إذا تخوَّفوا فوتَ التكبيرة، وطمِعوا في إدراكها (٢).
وقد روى سعيد في «سننه» (٣) عن رجل من طيِّئ قال: كان عبد الله ينهانا عن السعي إلى الصلاة، فخرجتُ ليلةً، فرأيته يشتدُّ إلى الصلاة، فقلت: يا أبا عبد الرحمن كيف تنهانا عن السعي إلى الصلاة؟ فرأيتك الليلةَ اشتددتَ إليها! قال: إنِّي وأبيك بادرتُ حدَّ الصلاة. يعني: التكبيرة الأولى.
وهذا يدل على أنَّ هذا الموضع غيرُ داخل في نهي النبيِّ ﷺ، لأنَّ أصحابه أعلم بمعنى ما سمعوه منه. فإنَّ ابن مسعود من جملة رواة هذا الحديث عن النبيِّ ﷺ، وسياقُ الحديث يدل على أنَّ النهي إنما هو لمن فاتته تكبيرة الافتتاح، لأنه في أناس سمع جلَبتَهم وهو في الصلاة، وهذا بعد التحريم (٤). وفي الحديث الآخر: «إذا سمعتم الإقامة فامشُوا إلى الصلاة»