توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم
قَالَ: فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَتُحِبُّ ذَلكِ؟ اخْرُجْ، ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أحدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ؛ نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا (١)، فهذه مشورة من أم سلمة ﵂ ورشدها.
وفيها: خوف عائشة ﵂ أن يتشاءم الناس بأبي بكر ﵁، إذا صلى بالناس في مرضه ﷺ، والنبي ﷺ لم يقبل مشورتها، قال: ((فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ))، يعني: في الكيد، وذلك بانهن يتوهمن أمرًا ويُردن غيره.
قوله: ((لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ أَبُو بَكْرٍ)) فيه: أن ما رأته عائشة ﵂ ليس بمحله.
وفيه: فضل أبي بكر ﵁ ومحله ومكانته عند الناس، وأنه الخليفة بعد رسول الله ﷺ.
وفيها: أن الحركة اليسيرة في الصلاة لا بأس بها عند الحاجة.
وفيها: جواز خرق الصفوف للحاجة.
وفيها: جواز رفع اليدين، وحمد الله في الصلاة عند تجدد نعمة، كما فعل أبو بكر ﵁ لما علم أن النبي ﷺ يصلي خلفه.
وفيها: أن الإمام إذا جاء وقد أقيمت الصلاة فله أن يصلي مع الناس مأمومًا، وله أن يتقدم ويصلي بالناس إمامًا؛ ولهذا لما جاء النبي ﷺ وأبو بكر ﵁ يصلي بالناس تخلف في الصف، فأراد أبو بكر أن يتأخر، فأشار إليه النبي ﷺ أن امكث مكانك، ففهم أبو بكر ﵁ أن هذا ليس حتمًا وإلزامًا، فتأخر، وتقدم النبي ﷺ، وصلى بالناس.