Skip to content

السيرة النبوية من البداية والنهاية - ت عبد الواحد ذكر بعثه إلى كسرى ملك الفرس

السيرة النبوية من البداية والنهاية - ت عبد الواحد

ابن كثير

Printed page ٣/ ٥٣١

فَيَكُونُ سَيِّدَ الْعَرَبِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا بَلَغَ بُنَيَّ ذَلِكَ أَنْ يُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ وَمَا يُجِيرُ أَحَدٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.

فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ إِنِّي أَرَى الْأُمُورَ قَدِ اشْتَدَّتْ عَلَيَّ فَانْصَحْنِي.

قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ شَيْئًا يُغْنِي عَنْكَ، وَلَكِنَّكَ سَيِّدُ بَنِي كِنَانَةَ، فَقُمْ فَأَجِرْ بَيْنَ النَّاسِ ثُمَّ الْحَقْ بِأَرْضِكَ.

فَقَالَ: أَوَ تَرَى ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنِّي شَيْئًا؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ، وَلَكِنْ لَا أَجِدُ لَكَ غَيْرَ ذَلِكَ.

فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ بَيْنَ النَّاسِ.

ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرَهُ فَانْطَلَقَ، فَلَمَّا أَنْ قَدِمَ عَلَى قُرَيْشٍ قَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: جِئْتُ مُحَمَّدًا فَكَلَّمْتُهُ، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ جِئْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ فَوَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ فِيهِ خَيْرًا، ثُمَّ جِئْتُ عُمَرَ فَوَجَدته أعدى عَدو، ثُمَّ جِئْتُ عَلِيًّا فَوَجَدْتُهُ أَلْيَنَ الْقَوْمِ، وَقَدْ أَشَارَ عَلَيَّ بِأَمْرٍ صَنَعْتُهُ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي هَلْ يُغْنِي عَنَّا شَيْئًا أَمْ لَا؟ قَالُوا: بِمَاذَا أَمَرَكَ؟ قَالَ: أَمَرَنِي أَنْ أُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ فَفَعَلْتُ: قَالُوا: هَلْ أَجَازَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: لَا.

قَالُوا: وَيْحَكَ مَا زَادَكَ الرَّجُلُ عَلَى أَنْ لَعِبِ بِكَ فَمَا يُغْنِي عَنَّا مَا قُلْتَ.

فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ غير ذَلِك.

[فَائِدَة ذكرهَا السُّهيْلي.

فَتكلم عَلَى قَوْلِ فَاطِمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " وَمَا يُجِيرُ أَحَدٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " وَيُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ " قَالَ: وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ مَنْ يُجِيرُ وَاحِدًا أَو نَفرا يَسِيرا، وَقَول فَاطِمَة: فَمن يجير عددا مِنْ غَزْوِ الْإِمَامِ إِيَّاهُمْ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.

قَالَ: كَانَ سُحْنُونُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يَقُولَانِ: إِنَّ أَمَانَ الْمَرْأَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْإِمَامِ لِقَوْلِهِ لِأُمِّ هَانِئٍ: " قَدْ أَجَرْنَا مَنْ

أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ " قَالَ: وَيُرْوَى هَذَا عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ أَمَانُ الْعَبْدِ وَفِي قَوْلِهِ ﵇: " وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ " مَا يَقْتَضِي دُخُولَ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَة.

وَالله أعلم] (١) .