Skip to content

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ط المجلس الأعلى المجلد الثاني سورة الحج

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ط المجلس الأعلى

ابن جني

Printed page ٢/ ٧٥

والأمر في ذلك أشهر، وإنما [١٠٤ظ] أراد أن أيديها اختضبن بالدم فاحمررن، فذكر نَعْمة اليد، لأنها مما يصحبها الخضاب.

وعليه قال الآخر:

كأنَّ أيديهِنَّ بالقاعِ القَرِقْ ... أيدِي عَذارٍ يَتَعاطَينَ الوَرِقْ١

فذكر العذارى؛ لأنهن مما يصحبهن الخضاب، فأراد انخضاب أيدي الإبل بالدم. وهذا ونحوه من لمحات العرب وإيماءاتها التي تكتفي بأيسرها مما وراءه. ألا ترى إلى قول الهذلي:

أمِنْكِ البرقُ أرقبُهُ فَهاجَا ... فَبِتُّ أَظُنُّه دُهْمًا خِلاجا٢؟

أي: فإذا اختَلَجَتْ عنها أولادَها حنَّت إليها، فشبه حنينهنَّ بصوتِ الرعد، فقدَّم ذكر البرق، وأودع الكلام ذكر حَدث صوت الرعد؛ لأنه مما يصحبه وهو كثير، فكذلك قراءته: "وَرَبَأَتْ"، دل بذكر الشخوص والانتصاب على الوفور والانبساط الذي في قراءة الجماعة: "وَرَبَتْ".

ومن ذلك قراءة مجاهد وحميد بن قيس: "خَاسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ"٣.

قال أبو الفتح: هذا منصوب على الحال، أي: انقلب على وجهه خاسرا، وقراءة٤ الجماعة: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ تكون هذه الجملة بدلا من قوله: ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ ، فكأنه قال: وإن أصابته فتنة خسر الدنيا والآخرة، ومثله من الجمل التي تقع وهي من فِعْلٍ وفاعِلٍ بدلا من جواب الشرط قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ ٥؛ وذلك لأن مضاعفة العذاب هي لُقِيّ الأثام، وعليه قول الآخر:

إنْ يجْبُنُو أو يَغْدِرُوا ... أَوْ يَبْخَلُوا لَا يَحْفِلُوا