الجموع البهية للعقيدة السلفية
-
غَلَبَة الْأَنْبِيَاء - عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام - وَمَعْنَاهَا
.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ، هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ قُتِلَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ يَحْتَمِلُ نَائِبُ الْفَاعِلِ فِيهَا أَنْ يَكُونَ لَفْظَةَ رِبِيُّونَ وَعَلَيْهِ فَلَيْسَ فِي قُتِلَ ضَمِيرٌ أَصْلًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرًا عَائِدًا إِلَى النَّبِيِّ، وَعَلَيْهِ فَمَعَهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَرِبِيُّونَ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ سَوَّغَ الِابْتِدَاءَ بِهِ اعْتِمَادُهُ عَلَى الظَّرْفِ قَبْلَهُ وَوَصْفُهُ بِمَا بَعْدَهُ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ وَالرَّابِطُ الضَّمِيرُ، وَسَوَّغَ إِتْيَانَ الْحَالِ مِنَ النَّكِرَةِ الَّتِي هِيَ نَبِيٌّ وَصْفُهُ بِالْقَتْلِ ظُلْمًا، وَهَذَا هُوَ أَجْوَدُ الْأَعَارِيبِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَبِهَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي نَائِبِ الْفَاعِلِ الْمَذْكُورِ يَظْهَرُ أَنَّ فِي الْآيَةِ إِجْمَالًا. وَالْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ مُبَيِّنَةٌ أَنَّ النَّبِيَّ الْمُقَاتِلَ غَيْرُ مَغْلُوبٍ بَلْ هُوَ غَالِبٌ، كَمَا صَرَّحَ تَعَالَى بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى﴾ ، وَقَالَ قَبْلَ هَذَا: ﴿أُوْلَئِكَ فِى الاْذَلّينَ﴾ ، وَقَالَ بَعْدَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ .
وَأَغْلَبُ مَعَانِي الْغَلَبَةِ فِي الْقُرْآنِ الْغَلَبَةُ بِالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ، وَقَوله: ﴿إِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ﴾ ، وَقَوْلِهِ: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِى أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِى بِضْعِ سِنِينَ﴾ ، وَقَوْلِهِ: ﴿كَم مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً﴾ ، وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ﴾ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الْمَقْتُولَ لَيْسَ بِغَالِبٍ بَلْ هُوَ قِسْمٌ مُقَابِلٌ لِلْغَالِبِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ﴾ ، فَاتَّضَحَ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ الْقَتْلَ لَيْسَ وَاقِعًا عَلَى النَّبِيِّ الْمُقَاتِلِ؛ لِأَنَّ اللَّه كَتَبَ وَقَضَى لَهُ فِي أَزَلِهِ أَنَّهُ