فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية
وفيهما: أن النبي ﷺ كان لا يصلى الضحى إلا إذا جاء من مغيبه، وإذا جاء من مغيبه فإنه يصلي؛ لأنه يشرع لكل إنسان قدم البلد أن يصلي ركعتين قبل أن يدخل إلي بيته، وهذه سنة يهملها كثير من الناس، أما تهاونًا أو جهلًا بها، فإذا قدمت إلي بلدك أول ما تقدم اذهب إلي المسجد وصل ركعتين كما كان النبي ﷺ يفعل ذلك، بل أمر به جابر بن عبد الله ﵁ لما قدم جابر بجمله الذي اشتراه منه النبي ﷺ، واستثني جابر أن يركب عليه إلي المدينة، فلما قدم المدينة وجاء إلي النبي ﷺ وجده عند المسجد قال له النبي ﷺ: "صليت ركعتين؟ ". قال: لا. قال: "فادخل واركع ركعتين"، فدل هذا علي أنه يشرع لكل إنسان أن يصلي ركعتين في المسجد إذا دخل البلد، ولا فرق بين أن يصليهما في مسجد الحي الذي هو فيه أو في أي مسجد من مساجد البلد.
وقالت في حديثها الآخر قالت: "ما رأيت النبي ﷺ يصلي سبحة الضحى وإني لأسبحها"، قالت: ما رأيته يفعلها، وهذا نفي مطلق عام، لكنها تقول: وإني لأسبحها، يعني: لأصليها، فأستدل بعض أهل العلم بهذين الحديثين علي أن صلاة الضحى ليست بسنة، وفصل بعض أهل العلم في ذلك، فقال: إذا كان الرجل يعتاد قيام الليل فإنه لا يصليها، وإن كان لا يصلي الليل فإنه يصليها، واستدلوا لذلك بما في حديث عائشة حيث ذكرت أن الرسول ﷺ لا يصلي الضحى؛ لأنه كان يقوم من الليل ﷺ، وأما من لا يقوم كأبي هريرة ﵁ لا يقوم الليل، ولهذا أمره النبي ﷺ أن يوتر قبل أن ينام؛ لأنه كان يتحفظ أحاديث رسول الله ﷺ في أول الليل، ولا شك أن العلم تحفظًا أو تعلمًا أفضل من قيام الليل، ولهذا أمره النبي ﷺ أن يوتر قبل أن ينام، وأمره أن يصلى ركعتي الضحى، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
وقال آخرون من أهل العلم: إن ركعتي الضحى سنة، لكن لا تسن المداومة عليها، بل يصلى أحيانًا ويدع أحيانًا، ولكن الذي يترجح لي أنها سنة مطلقة ولو لم يكن منها إلا أنها تكفي عن الصدقات التي تجب علي كل سلامي من الناس، فعلي هذا نقول: صل ركعتي الضحى؛ لأنها تجزئك عن كل صدقة عليك في كل سلامي منك.
بقي عندنا في حديث عائشة وأمر آخر هو أنها تقول: "ما رأيته يصليها أو يسبحها وإني لأسبحها"، فكيف تخالف ما كان عليه النبي ﷺ، يعني: لو أراد أحد أن يقول: هذا مطعن في عائشة ﵂ إذ كيف تقول: "ما رأيته يصلي سبحة الضحى وإني لأسبحها"، وهل هذا إلا مخالفة للرسول ﷺ؟ فالجواب: لا، لكنها ﵁ تري من هدي النبي ﷺ أنه يدع العمل مخافة أن يفرض علي الناس، وقد فهمت هي ﵂ أن رسول الله ﷺ يحب هذه الصلاة لكنه يتركها مخافة أن تفرض علي الناس، وهذا لا شك فيه، أما أنها تخالف هدي الرسول ﷺ فإن هذا بعيد جدًا.