Skip to content

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية صفة الاستفتاح ومعانيه

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Printed page ٢/ ٣٢

"وجهت وجهي للذي" وعدم الميل إلى الشرك في قوله: "حنيفًا"، وأكد ذلك بقوله: "وما أنا من المشركين" ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾ [الأنعام: ١٦٢].

المراد بـ ﴿صلاتي﴾: الصلاة المعروفة المعهودة شرعًا، ﴿ونسكي﴾؛ قيل المراد بذلك: النسيكة وهي الذبيحة، فالمراد بالنسك: الذبائح التي يتقرب بها الإنسان إلى الله ﷿ واستدل أصحاب هذا القول بقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢]، فذكر النحر بعد الصلاة، وقيل المراد بالنسك: العبادة، فعلى الأول يكون عطف نسك على صلاة من باب عطف المتباينين، وعلى الثاني من باب عطف العام على الخاص.

وأيهما أولى أن نقول: المراد بالنسك: جميع العبادات، أو المراد بالنسك الذبيح؟ الأول أولى، لماذا؟ لأنه يشمل الذبيحة وغيرها وكلما كان المعنى أشمل وأعم فهو أولى.

وقوله: ﴿لله رب العالمين﴾ اللام هذه للإخلاص، وقوله: ﴿رب العالمين﴾ أي: خالق العالمين مالكهم مدبرهم، و "العالم" كل من سوى الله فهو عالم من الإنس والجن والملائكة وغيرهم، وسموا عالمًا؛ لأنهم علم على خالقهم ﷿، وجمعوا باعتبار الأجناس والأنواع فإنهم أجناس وأنواع.

﴿لا شريك له﴾ هذا تأكيد للنفي، و ﴿بذلك﴾ أي: بما ذكر من الإخلاص واجتناب الشرك ﴿أمرت﴾ والآمر هو الله ﷿، ولم يسم للعلم به، كقوله تعالى: ﴿وخلق الإنسان ضعيفًا﴾ لم يسم الخالق لماذا؟ للعلم به.

﴿وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ أورد بعض العلماء إشكالًا على هذا وقالوا: كيف يكون أول المسلمين وقد سبقه أمم وأنبياء ورسل كلهم مسلمون؟ فقيل: المعنى أول المسلمين من هذه الأمة فتكون الأولية نسبية؛ أي: باعتبار هذه الأمة، وقيل: إن الأولية هنا أولية صفة لا أولية زمن يعني: أنا أسبق الناس إلى الإسلام، وعلى هذا المعنى فلا نحتاج إلى أن نقول: إن الأولية نسبية؛ لأننا نعلم أن أشد الناس انقيادًا وإسلامًا لله: الرسول ﷺ ومن المعلوم أننا نحن إذا قلنا: ﴿وأنا أول المسلمين﴾ لا يمكن أن نريد أول المسلمين زمنًا، لأن هذا يكذبه الواقع، لكنك تقر بأنك أول من يؤمن بهذا ويسلم لله ﷿، سبقًا زمنيًا أو حاليًا؟ حاليًا.

قوله: "اللهم أنت الملك" اللهم، أي: يا الله هذا أصلها، فحذفت ياء النداء وعوض عنها الميم، وذلك لكثرة الاستعمال، وللتيمن بذكر الله ﷿، قبل أداة النداء وعوضت عنها الميم، قالوا: لأنها جارية على الجمع، فكأن الداعي جمع قلبه على الله، وكانت في الآخر تيمنًا بالبداءة باسمه- جل وعلا-، وعلى هذا فنقول: "اللهم" منادي مبني على الضم في محل نصب.

"أنت الملك" يعني: ذا الملك التام والسيطرة التامة، فهو- ﷾ ملك الملوك لا مالك إلا الله ﷿ وملكه جامع بين الملك الذي هو مطلق التصرف وبين الملك الذي هو