Skip to content

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية كتاب النكاح ٥ - باب القسم بين الزوجات

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Printed page ٤/ ٦٣٠

وفيه أيضًا أن المعاشرة التي تدوم هي المعاشرة المبنية على العدل, لأن الإنسان إذا جر وظلم وأجنف فإنه سيكون رد فعل من المظلوم الذي جير عليه, ويحصل بذلك النكد بين العائلة.

واختلف العلماء هل القسم واجب على النبي ﷺ أو هو تطوع منه؟ فقال بعضهم: إنه واجب عليه, لعموم الأدلة الدالة على وجوب القسم بين الزوجات, والأصل أن النبي ﷺ داخل في عموم خطابه, وقال بعض العلماء: لا يجب لقوله تعالى: ﴿ترجى من تشاء منهن وتأوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك﴾ [الأحزاب: ٥١].

فقال: إن الله خيره قال: ﴿ترجى﴾ ﴿تأوي﴾ , ﴿ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح﴾ يعني لا جناح أن ترجع عن الأولى التي عزلتها, والذي يظهر أن الله خيره, لكنه اختار الأكمل وهو القسم, ولهذا كان في مرض موته يتنقل بين زوجاته ويقول: أين أنا غدا؟ ولو كان النبي ﷺ جعل القسم في حقه غير واجب لاختار من يختار من نسائه بدون أن ينتظر يومها, ولما علمت نساؤه أنه يريد عائشة أذن له أن يمرض في بيتها, ﵅ وجزاهن عنه وعنا خيراً, فأذن له فصار ﷺ عند عائشة ومات في يومها, صادف موته في اليوم الذي هو يومها وفي بيتها وفي حجرها, وآخر ما طعم النبي ﷺ من الدنيا ريقها ﵂ لأن أخاها عبد الرحمن دخل والنبي ﷺ في سياق الموت وكان معه سواك فمد النبي ﷺ إليه بصره, قالت: فعرفت أنه يريد السواك, وكانت قد حضنته على صدرها فقلت: آخذه لك يا رسول الله؟ فأشار برأسه يعني: خذيه, فأخذته وقضمته, يعني: قطعت منه ما كان متلوثاً من قبل حتى طيبته ثم أعطته النبي ﷺ فأستاك به, قالت: فما رأيت النبي ﷺ تسوك سواكاً أحسن منه, وهذا من رحمة الله به ﷿ أن خرج من الدنيا وهو على أكمل ما يكون من طيب الرائحة لأن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب, فكانت عائشة تفتخر بنعمة الله علها في هذه المناسبة أن الرسول مات وهو بين حاقنتها وذاقنتها وهي مستندة إلى صدرها ومات في يومها وفي بيتها, وأخر ما طعم من الدنيا ريقها ﵂.

ومن فوائد الحديث: أن ما لا يملكه الإنسان لا يلام عليه, لقوله: «فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» , ولكن ربما ينازعنا منازع في أخذ هذه الفائدة, ويقول أن النبي ﷺ دعا أن الله لا يلومه ولو كان غير مكلف به ما احتاج إلى الدعاء, ولكننا نقول إنه قال ذلك وإن كان محققاً فإن