فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية
يستفاد من الحديث أن من هدي النبي ﷺ ترك عيب الطعام لقوله: «ما عاب طعاماً قط».
ثانياً: أنه ينبغي للإنسان أن يأكل ما يشتهي, وألا يكره نفسه على أكل ما لا يريد لقوله: «إذا اشتهى شيئاً .... إلخ» فأنت عود نفسك ألا تأكل إلا ما تشتهي وما لا تشتهيه اتركه سواء كنت لا تشتهيه لذاته, أو كنت لا تشتهيه لأن بطنك ملئت فالأول مثل ترك النبي ﷺ لأكل الضب مع أنه حلال, لأنه ليس بأرضه فلم يعتد أكله فيكرهه, فلا تكره نفسك على أكل ما لا تريد, لأن هذا ضرر, إذا اشتهيت شيئاً فكله, ولا تقل: لم يأت وقت الغداء, لأن طلب النفس للشيء يستلزم هضم الشيء وسهولته على المعدة, وذكر صاحب الزاد ابن القيم في كتابه حين تكلم على الرمد -وجع في العيون- وأن الأرمد لا ينبغي أن يأكل التمر؛ لأن التمر يزيد في الرمد قال: إنه إذا قوي طلب النفس له فلا حرج أن يأكل لأن النفس تهضمه ولا يلحقه ضرر, واستدل بما ذكر أن صهيباً ﵁ كان أرمد, فقدم إلى النبي ﷺ تمراً, فلما أراد أن يأكل صهيباً قال له الرسول ﷺ: كلاماً معناه: أتأكل وأنت أرمد؟ قال: يا رسول الله, أمضغه مع الجانب الآخر, يعني: الرمد في اليمنى فيمضغه باليسرى, فأقره النبي وتركه يأكل, لأن النفس الآن في شدة الشوق إليه تطلبه, ولهذا الميتة خبيثة نجسة يتقزز الإنسان من رؤيتها فضلاً عن أكلها, ولكن إذا اضطر حتى خاف الموت صارت طيبة حلالاً تشتهيها النفس ولا تضر الإنسان.
فالحاصل: أن الإنسان ينبغي له إلا يكره نفسه على الشيء إن اشتهاه فليأكله وإن كرهه فليتركه.
ومن فوائد الحديث: أنه لا حرج أن تضاف الكراهة إلى الطعام, فتقول أنا أكره هذا النوع من الطعام, ولا يعد هذا امتهاناً للنعمة أو استكباراً عنها لهذا الحديث: «إن كرهه» , فإن الراوي فهم أن الرسول ﷺ كره, ولحديث الضٌب: «فأجدني أعافه».
١٠٠٩ - وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تأكلوا بالشمال: فإن الشيطان يأكل بالشمال» رواه مسلم.
وقد مر علينا هذا الحديث, فلا داعي لإعادته هنا.
وفيه فوائد منها: أن الشيطان يأكل وأنه جسم يحتاج إلى الغذاء لقوله: «فإن الشيطان يأكل» وفيه دليل على أن خبث الذات يسري إلى خبث العمل كيف ذلك؟ لأنه يأكل بشماله وهذا لاشك أنه بالنسبة للأكل باليمين رديء وخبيث لكنه لما كانت طبيعة الشيطان الخبث صار لا يأكل إلا بالشمال.