Skip to content

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية صور العمرى والرقبى

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Printed page ٤/ ٣١٤

يدل عليه حديث جابر ﵁، وهذا هو الموافق للقواعد العامة؛ لأن القواعد العامة أن المسلمين على شروطهم إلا شرطا أحل حرامًا أو حرم حلالاً، فإنه يسقط.

فلننظر الآن إلى الأحاديث يقول: «العمرى لمن وهبت له»: العمرى: هى الهبة المقيدة بالعمر «لمن وهبت له» يعني: ملكا وإذا كانت له فإنه يجري فيها الميراث، أنه إذا مات المُعمّر رجعت إلى ورثته على حسب الميراث، وهذا نصر صريح بأن العمرى لمن وهبت له، لكن المراد بها: العمرى المطلقة، يعني: التي لم تقيد بعمر المُعمر ولم تقيد بأنها له ولعقبه؛ لأنها لو قُيدّت بذلك فأمرها ظاهر، لكن إذا أطلق فيقول الرسول ﷺ: «لمن وهبت له؟ » قال: ولمسلم: «أمسكوا عليكم ... الخ» الخطاب هنا لمن؟ للمعمرين الواهبين، «ولا تفسدوها» يعني: بإخراجها عن ملككم فالمراد بالإفساد هنا ليس هو الإفساد الذي ضد الإصلاح، بل المراد إخراجها عن ملككم، يعني: أمسكوها ولا تخرجوها عن ملككم وذلك لأن العمرى يخرج بها الملك من المُعْمِر إلى المُعْمَر، ولهذا فرع عليها قوله: «فإنه من أعمر عُمرى فهي للذي أعمرها ... إلخ»، إذن لا تظن أنك إذا قلت: أعمرتك هذا البيت أن البيت سيرجع إليك، بل يكون للمعمّر، وحينئذٍ يفسد عليك كيف يفسد على المعمر؟ لأنه خرج عن ملكه، وفسد تصرفه فيه، لم يملك أن يتصرف، فكان النبي ﷺ يقول: تصرفوا على بصيرة فإنكم إن أعمرتم شيئا أفسدتموه على أنفسكم ونقلتم ملكه إلى المعمر حيا وميتا ولعقبه وقوله: «حياً» واضح أنه لو لم يكن حيا لكان ميتا و «لعقبه» كيف تكون هذه العمرى له ميتا ولعقبه؟ نقول: يمكن مثل أن يُوصي بجزء من ماله مثلاً إذا أوصى بثلث ماله ومن جملته هذه العُمرى صارت له ميتا، والثلثان للورثة لعقبه فكان الرسول ﷺ يقول: «هي له في حياته وبعد مماته ولعقبه»، أو يقال: له حيا وميتا فيما لو أوقفها على أعمال البر ومات فإن ثوابها يكون بعد موته له، أي: للمُعْمَر، أما عقبه فهو إذا أوقفها خرجت عن مُلكه وعن ملكهم أيضا، فصار قوله: «ميتا ولعقبه» لها صورتان:

الصورة الأولى: أن يُوصى بالثلث فإذا أوصى بالثلث صار ثلث المعمّر داخلاً في الوصية، والثلثان للورثة.

الصورة الثانية: أن يُوقف هذا الذي يعمره فيكون هذا وقفا في سبيل الله فحينئذ تكون له ميتا، وهل لعقبه منها شيء في هذه الصورة؟ ليس لعقبه منها شيء فيكون قوله: «ميتا ولعقبه» على وجه التوزيع، إما له خالصة إذا وقّفها، وإما لعقبة خالصة إذا لم يُوص بشيء فتكون كلها لعقبه.

على كل حال: هذا الحديث يدل على أن العُمرى تكون ملكا تامًا للمُعْمَر يجري فيها الميراث، والوصية وكل شيء.