Skip to content

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية كتاب البيوع ١٧ - باب الوقف

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Printed page ٤/ ٢٨٦

أطيب وأغلى، وهو مأخوذ من النفس بأن النفس تتعلق به، فإذا تعلقت نفسك بالمال فهذا من طبيعة الإنسان، ولولا طبيعة الإنسان وتعلق نفسه بالمال ما كان للإنفاق فائدة، لأن إنفاق ما ليس بمحبوب أمر سهل، لكن الحقيقة أن المحك هو أن تنفق شيئًا محبوبًا لك فحب الإنسان للمال أمر طبيعي لا يلام، عليه وإذا أدي ما أوجب الله عليه فيه فقد سلم منه.

ومن فوائد الحديث: حسن تعبير الرسول ﷺ لأن قول عمر: مرني ماذا أفعل بها؟ لو أن الرسول ﷺ تابعه على تعبيره وقال: أفعل كذا لكان ذلك على سبيل الوجوب لكنه خرج من ذلك بقوله: «إن شئت حبست أصله» لئلا يلتزم عمر بما لا يلزمه من أمر النبي ﷺ.

ومن فوائد الحديث: ثبوت هذا النوع من التصرف وهو حبس الأصل وتسبيل المنفعة ويسمى عند العلماء: الوقف لأن هذا تصريف غريب، العادة أن الإنسان يتصرف في الشيء يخرجه من ملكه، لكن هذا لم يخرج من الملك على سبيل الإطلاق، بل خرج خروجًا مقيدًا لأن أصله ثابت، ولكن ثمرته غير ثابتة يستغلها من هي له استغلالاً كاملاً ويملكها ملكًا مطلقً،

ومن فوائد هذا الحديث: جواز تحبيس الإنسان ماله وإن لم يملك سواه يعني: يجوز للإنسان أن يوقف جميع أملاكه؛ لأن النبي ﷺ لم يستفصل لم يقل لعمر: هل لك مال غيره؟ فلما لم يستفصل علم أن الحكم عام، ومن القواعد المقررة في الأصول أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقام، ولكن يستثى من ذلك ما إذا كان الإنسان في مرض الموت المخوف، فإنه لا يملك أكثر من الثلث، ودليل ذلك أن سعد بن أبي وقاص ﵁ لما استأذن النبي ﷺ أن يتصدق بثلثي ماله منعه فقال: بالشطر فمنعه، فقال: بالثلث فقال: "الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس" فهذا دليل على أن الإنسان المريض مرض الموت المخوف لا يملك أكثر من الثلث.

ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى أن الوقف مبني على البر؛ لقوله: "تصدق" والصدقة بذل المال تقربًا إلى الله ﷿ وعلى هذا فلو وقف على جهة إثم فإن الوقف يقع باطلاً لو وقف بيته لأصحاب الأغاني والمعازف فالوقف باطل؛ لماذا؟ لأنه ليس على جهة بر بل هو جهة محرمة، لو وقف بيته على الأغنياء لم يصح؛ لأن الأغنياء ليسوا أهلاً للصدقة، لو وقفه على القرابة وفيهم أغنياء صح لأن صلة القرابة بر وعبادة، لو وقف هذا الماء على المارين بالشارع صح، ولو مر في الشارع كفار لا يضر لأنهم يأتون تبعًا؛ ولهذا لو وقف على أهل الذمة فقط ما صح؛ لأن أهل الذمة كفار لكن إذا وقف وقفًا عامً على المار به في الشارع فلا بأس.