Skip to content

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية ما يفعل عند هطول المطر

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Printed page ٢/ ٤٥٨

وقوله: "أصابنا مطر" يعني: نزل علينا، فإما أن يكون من الإصابة، وإما أن يكون من الصوب للنزول، وكلاهما صحيح بالنسبة للمطر.

وقال: "فحسر ثوبه" "حسر" يعني: رفعه حتى أصابه من المطر، ثم علل- ﵊ وقال: "إنه حديث عهد بربه" يعني: قريب عهد بالله ﷿ لماذا؟ لأنه خلق الآن فهو حديث عهد بربه، ولاحظ أن الرسول- ﵊ فعل ولم يأمر، فيكون هذا الفعل دالًا على الاستحباب وليس بواجب؛ لأنه سبق لنا قاعدة أن الفعل المجرد من الرسول- ﵊ لا يدل على الوجوب، لكن إن ظهر فيه قصد التعبد كان دالًا على الاستحباب، وإن كان على سبيل العادة أو الجبلة فإنه لا يدل على الاستحباب.

وقوله: "إنه حديث عهد بربه"، هل هذه العلة متعدية أو إنها لازمة؛ لأن بعض العلل تكون لازمة؟ الظاهر أنها لازمة لا متعدية، بمعنى: أنه لا يشرع أن كل شيء يخلقه الله من جديد نمسه بأبشارنا؛ يعني: لو أن الإنسان يقول: إذا نبت الزرع أول ما ينبت هل يسن لي أن أحسر عن ثوبي وأمس هذا الزرع الأخضر مثلًا؟ لا؛ لأن الرسول ﷺ ما كان يفعله، فتكون هذه العلة قاصرة على معلولها لا نتعدى لغيره، ودليل ذلك التتبع؛ لأن الرسول ﷺ ما كان يفعل هذا.

وقوله: "حديث عهد بربه" يستفاد منه فائدة في أصول الدين: وهو تجدد فعل الله ﷿، - وأن الله ﷿ يفعل ما يشاء، وفعله هنا المتجدد بالنسبة إلى المفعول، يعني: خلقه لهذا الشيء الجديد غير خلقه للشيء القديم، أما أصل الصفة وهي الخلق فهي قديمة لازمة لله ﷿ لم يزل ولا يزال خلاقًا، لكن لا شك أنه يخلق الولد بعد خلق أبيه، ويأتي الليل بعد النهار، والنهار بعد الليلة السابقة، وكل ذلك مخلوق يتجدد.

فيستفاد منه: قيام الأفعال الاختيارية بالله ﷿، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، وإن كان الأشاعرة وكثير من المتكلمين ينكرون هذا ويقولون: إنه لا يمكن أن نقول لله أفعال اختيارية؛ لماذا؟ قالوا: لأن الفعل الحادث لا يكون إلا بحادث، والله ﷿ ليس بحادث، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، ولا ريب أن هذا التعليل لا أقول: إنه عليل، لكن أقول: إنه ميت، إذ كيف ينكر ما جاء في الكتاب والسنة من ثبوت الأفعال الاختيارية الكثيرة التي أثبتها الله لنفسه، والتي عبر عنها بقوله: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ [هود: ١٠٧]. ﴿فعال﴾ صيغة مبالغة، كيف ننكر هذا من أجل حجة ضعيفة؟ من يقول: إن الفعل الحادث لا يكون إلا بحادث؟ هذه القاعدة يبطلها العقل والشرع، بل إن القديم المتصف بالصفات الكاملة أولى أن يكون قادرًا على الفعل متى شاء، هم عندهم أن الله لا يفعل فعلًا اختياريًا أبدًا؛ ولهذا يقولون: إن الله لا يتكلم بكلام يسمع، وإنما كلامه هو المعنى القائم بالنفس كالعلم والقدرة، والكلام المسموع هذا شيء مخلوق خلقه الله، وهم مع ذلك يقولون: إنها لا تقوم بها الأفعال الاختيارية، ولهذا تجد