Skip to content

التبصرة في أصول الفقه مسألة ٣ العلم الذي يقع بالخبر المتواتر ضرورة

التبصرة في أصول الفقه

أبو إسحاق الشيرازي

Printed page ٢٩٤

للصبيان لِأَنَّهُ لَا يَصح مِنْهُم النّظر وَالِاسْتِدْلَال وَلما وَقع لَهُم الْعلم بذلك دلّ على أَن الْعلم بهَا يَصح ضَرُورَة

وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَو كَانَ يَقع الْعلم بِهِ ضَرُورَة لاشترك النَّاس كلهم فِي إِدْرَاكه وَلما رَأينَا الْعُقَلَاء يُنكرُونَ الْعلم بِهِ دلّ على أَن الْعلم من جِهَته عَن اسْتِدْلَال

قُلْنَا نَحن لَا نعتد بِخِلَاف من خَالف فِي ذَلِك كَمَا لَا نعتد بِخِلَاف من خَالف فِي المحسوسات من السوفسطائية

ثمَّ لَو جَازَ أَن يَجْعَل ذَلِك دَلِيلا على نفي الْعلم بِهِ ضَرُورَة لجَاز أَن يَجْعَل خلاف من خَالف فِي المحسوسات دَلِيلا على أَن الْعلم لَا يَقع من جِهَة الْحَواس ضَرُورَة وَلما بَطل هَذَا بِالْإِجْمَاع بَطل مَا قَالُوهُ أَيْضا

قَالُوا وَلِأَن الْإِنْسَان يسمع الشَّيْء من الْوَاحِد والاثنين وَلَا يَقع بِهِ الْعلم إِلَى أَن يتكاثروا فيبلغوا التَّوَاتُر فَيَقَع لَهُ حِينَئِذٍ الْعلم فَكَانَ ذَلِك اسْتِدْلَالا كَالْعلمِ الْوَاقِع بِالنّظرِ فِي الْعَالم وَالِاسْتِدْلَال على حَدثهُ

قُلْنَا لَيْسَ إِذا لم يَقع الْعلم فِي ابْتِدَاء السماع لم يكن الْعلم الْحَاصِل لَهُ عِنْد الِانْتِهَاء ضَرُورَة أَلا ترى أَن الْإِنْسَان يرى الشَّيْء من بعيد فَلَا يَقع لَهُ الْعلم بِهِ على التَّفْصِيل ثمَّ يقرب مِنْهُ فَيعلم حَقِيقَته على التَّفْصِيل ثمَّ لَا يُقَال إِن ذَلِك الْعلم اسْتِدْلَال

قَالُوا وَلِأَن الْعلم لَا يَقع بأخبارهم إِلَّا على صِفَات تصحبهم يسْتَدلّ بهَا على صدقهم فَصَارَ كَالْعلمِ بِحَدَث الْعَالم لما وَقع عَن الصِّفَات الَّتِي تصْحَب الْعَالم من الِاجْتِمَاع والافتراق كَانَ اكتسابا فَكَذَلِك هَاهُنَا

وَالْجَوَاب هُوَ أَن الْأَخْبَار وَإِن اعْتبر فِيهَا صِفَات إِلَّا أَن الْعلم بصدقهم لَا يفْتَقر إِلَى اعْتِبَار الصِّفَات أَلا ترى أَنه يجوز أَن يَقع الْعلم لمن لَا ينظر فِي الصِّفَات وَيُخَالف هَذَا الْعلم الْوَاقِع عَن الْعَالم فَإِن بذلك لَا يَقع إِلَّا بعد النّظر فِي الْمعَانِي الَّتِي تصْحَب الْعَالم وَالِاسْتِدْلَال بهَا فَلذَلِك كَانَ اكتسابا وَفِي الْأَخْبَار يَقع الْعلم من غير نظر وَاعْتِبَار فَافْتَرقَا