شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم
عليه، وكذلك احتج بحديث عمر لما انتظر الأعرابي، وإنما جاء بعد طلوع الفجر.
وعلى هذا إذا لم يقف قبل طلوع الفجر فعليه أن يقف بعد طلوعه، وهذا هو الصواب أن وقت الوقوف لا يفوت إلى طلوع الشمس، فمن وافاها قبل ذلك فقد وقف بها؛ لأن النبي ﷺ وقف بها وأفاض قبيلَ طلوع الشمس، وهذا هو (١) الوقوف المشروع في غداتها، [و] هو المقصود الأعظم من الوقوف بمزدلفة، وبه يتمُّ امتثالُ قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ الآية. وإليه الإشارة بقوله: «هذا هو الموقف، وجَمْعٌ كلها موقف، وارفعوا عن بطن مُحسِّر» (٢). وهذا نظير الوقوف عشية عرفة، وأحد الموقفين الشريفين، فكيف لا يكون له تأثير في الوجوب وجودًا وعدمًا؟ أم كيف لا يكون هذا الزمان وقتًا للنُّسك المشروع بمزدلفة؟
وأيضًا فإن عروة بن مُضرِّس أتى النبي ﷺ وهو بمزدلفة حين خرج لصلاة الفجر، وقال له النبي ﷺ: «من أدرك معنا هذه الصلاةَ، ووقف معنا حتى نَدفعَ، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا، فقد تمَّ حجُّه وقضى تَفَثَه» (٣).
وهذا نصٌّ في [أن] مزدلفة تُدرَك بعد طلوع الفجر كما تُدرَك قبل الفجر؛ لأن هذا السائل إنما وافاها بعد طلوع الفجر، وأخبره النبي ﷺ بقضاء حجّه،