Skip to content

مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن ط دار الحديث باب ذكر كلمات حفظت عن الواقفين بعرفة

مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن ط دار الحديث

ابن الجوزي

Printed page ١٨٩

قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ نَاصِرٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْفَقِيهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَرَّاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ " رَأَيْتُ عَلَى جِبَالِ عَرَفَةَ رَجُلا قَدْ بَلَغَ بِهِ الْوَلَهُ، وَهُوَ يَقُولُ:

سُبْحَانَ مَنْ لَوْ سَجَدْنَا بِالْعُيُونِ لَهُ ... عَلَى شَبَا الشَّوْكِ وَالْمَحْمِيِّ مِنَ الْإِبَرِ

لَمْ نَبْلُغِ الْعُشُرَ مِنْ مِعْشَارِ نِعَمِهِ ... وَلا الْعُشَيْرَ وَلا عُشُرًا مِنَ الْعُشُرِ

هُوَ الرَّفِيعُ فَلا الْأَبْصَارُ تُدْرِكُهُ ... سُبْحَانَهُ مِنْ مَلِيكٍ نَافِذِ الْقَدَرِ

سُبْحَانَ مَنْ هُوَ أُنْسِي إِنْ خَلَوْتُ بِهِ ... فِي جَوْفِ لَيْلِي وَفِي الظَّلْمَاءِ وَالسَّحَرِ

أَنْتَ الْحَبِيبُ وَأَنْتَ الْحِبُّ يَا أَمَلِي ... مَنْ لِي سِوَاكَ وَمَنْ أَرْجُوهُ يَا ذُخْرِي

ثُمَّ أَنْشَدَ أَيْضًا:

كَمْ قَدْ زَلَلْتُ فَلَمْ أَذْكُرْكَ فِي زَلَلِي ... وَأَنْتَ يَا سَيِّدِي فَي الْغَيْبِ تَذْكُرُنِي

لَأَبْكِيَنَّ بِدَمْعِ الْعَيْنِ مِنْ أَسَفٍ ... لَأَبْكِيَنَّ بُكَاءَ الْوَالِهِ الْحَزِنِ

قَالَ: ثُمَّ غَاصَ فِي خِلالَ النَّاسِ فَلَمْ أَرَهْ، فَسَأَلْتُ عنَهُ، فَقِيلَ لِي: هَذَا أبَو عُبَيْدَةَ، مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ ﷿ "

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي صَادِقٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَطَاءٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: قَالَ الْمَأْمُونُ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبَّادٍ الرَّمَلِيُّ: " حَضَرْتُ عَرَفَاتٍ فَوقَفْتُ أَدْعُو فَإِذَا أَنَا بِفَتًى قَدَ أَقْبَلَ نَحْوِي، فَقَالَ: أَقْوَامٌ يَصِلُونَ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعَ يَكُونُ فَيهِمْ مِنَ الْفَضْلِ مَا يَسْأَلُونَ اللَّهَ ﷿ الْحَوَائِجَ، أَلا جَعَلُوا حَوَائِجَهُمْ فِي حَيَاةِ قُلُوبِهِمْ؟ ثُمَّ قَالَ لِي: أَنْتَ أَبُو عَبَّادٍ الَّذِي تَرَكْتَ الْشهَوَاتِ مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَعَنْهُ تُرَاكَ أَفَدْتَ فَائِدَةً؟ فَبَكَيْتُ، وَقُلْتُ: مَا أَرَى، فَقَالَ: هَيْهَاتَ أَبَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ ذَخَائِرَهُ لِمَنِ الدُّنَيَا وَالْآخِرَةُ فِي قَلْبِهِ "