Skip to content

الجموع البهية للعقيدة السلفية - هل يسمع الموتى؟ والكلام على تلقين الموتى.

الجموع البهية للعقيدة السلفية

أبو المنذر المنياوي

Printed page ٢/ ٥٩٧

أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ، وَآثَارٌ كَثِيرَةٌ، وَمَرَائِي مُتَوَاتِرَةٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا فِي كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ مِنْ تَلْقِينِ الْمَيِّتِ بَعْدَ الدَّفْنِ، أَنْكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ: إِنَّهُ بِدْعَةٌ، وَأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ إِلَّا أَهْلُ الشَّامِ، وَقَدْ رَأَيْتَ ابْنَ الْقَيِّمِ اسْتَدَلَّ لَهُ بِأَدِلَّةٍ، مِنْهَا: أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵀ سُئِلَ عَنْهُ فَاسْتَحْسَنَهُ. وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالْعَمَلِ. وَمِنْهَا: أَنَّ عَمَلَ الْمُسْلِمِينَ اتَّصَلَ بِهِ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِ الدَّافِنِينَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَاسْتِدْلَالُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ اسْتِدْلَالٌ قَوِيٌّ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَسْمَعُ قَرْعَ النِّعَالِ، فَلَأَنْ يَسْمَعُ الْكَلَامَ الْوَاضِحَ بِالتَّلْقِينِ مِنْ أَصْحَابِ النِّعَالِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَاسْتِدْلَالُهُ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ: «سَلُوا لِأَخِيكُمُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» (١) لَهُ وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ يَسْمَعُ سُؤَالَ السَّائِلِ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ تَلْقِينَ الْمُلَقِّنِ، واللَّه أَعْلَمُ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ سَمَاعِهِ سُؤَالَ الْمَلِكِ وَسَمَاعِهِ التَّلْقِينَ مِنَ الدَّافِنِينَ مُحْتَمَلٌ احْتِمَالًا قَوِيًّا، وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ التَّلْقِينَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَفْعَلْهُ إِلَّا أَهْلُ الشَّامِ، يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُمْ هُمْ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ، وَلَكِنَّ النَّاسَ تَبِعُوهُمْ فِي ذَلِكَ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. قَالَ الشَّيْخ الْحطاب فِي كَلَامه على قَوْلِ خَلِيلِ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَالِكِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَتَلْقِينُهُ الشَّهَادَةَ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِاسْتِحْبَابِ التَّلْقِينِ بَعْدَ الدَّفْنِ. وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَالْإِرْشَادِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنِ الطِّلَاعِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، فَقَالَ: هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَعْمَلُ بِهِ، وَقَدْ رُوِّينَا فِيهِ حَدِيثًا عَنْ أَبِي أُمامة لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَلَكِنَّهُ اعْتَضَدَ بِالشَّوَاهِدِ، وَعَمَلِ أَهْلِ الشَّامِ قَدِيمًا، إِلَى أَنْ قَالَ: وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ: يَنْبَغِي أَنْ يَتَفَقَّدَهُ بَعْدَ انْصِرَافِ النَّاسِ عَنْهُ، مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ