تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
فإن العربَ تقولُ: بات يَصْرِى في حَوْضِه، إذا استَقَى، ثم قَطَع واستَقَى. ومن ذلك قولُ الشاعرِ (١):
صرَت نظرةً لو صادفت جَوْزَ دارعٍ … غدًا والعواصِي مِن دمِ الجوفِ تَنْعَرُ (٢)
يعني: قَطَعَتْ نظرةً. ومنه قولُ الآخرِ (٣):
يقولون إن الشامَ يَقْتُلُ أَهلَهُ … فَمَنْ ليَ إنْ (٤) لم آتِهِ بخلودِ
تَعَرَّبَ آبائي فهلَّا صِرَاهُمُ … مِن الموت أن لم يَذْهَبُوا وجُدُودِى
يعنِى: قَطَعَهم. ثم نُقِلت ياؤُها التي هي لامُ الفعلِ فجُعِلَتْ عينًا للفعلِ، وحُوِّلتْ عينُها فجُعِلتْ لامها، فقيل: صار يَصِيرُ. كما قِيل: عَثِى يَعْثَى عَثًا. ثم حُوِّلت لامُها، فجُعِلتْ عينها، فقيل: عاث يَعِيثُ.
وأما نحويُّو البصرة فإنهم قالوا: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ سواءٌ معناه إِذا قُرِئَ بالضمِّ مِن الصادِ وبالكسرِ، في أنه مَعْنِيٌّ به في هذا الموضعِ التقطيعُ. قالوا: وهما لغتان: إحداهما، صارَ يصُورُ، والأخرَى، صار يَصِيرُ. واستشهدُوا على ذلك ببيتٍ تَوْبَةَ بن الحُمَيِّرِ الذي ذكرناه قبلُ، وببيت المُعَلَّى بن جمَّالٍ (٥) العبديِّ:
وجاءَتْ خُلْعَةٌ دُهْسٌ صَفَايَا … يَصُورُ عُنُوقَها أَحْوَى زَنِيمُ (٦)