أحكام القرآن للجصاص ط العلمية
مطلب: تجب عمارة الأرض للزراعة والغراس والأبنية
وقوله: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ يَعْنِي: أَمَرَكُمْ مِنْ عِمَارَتِهَا بِمَا تَحْتَاجُونَ إلَيْهِ. وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِ عِمَارَةِ الْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ، وَالْغِرَاسِ، وَالْأَبْنِيَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ: "مَعْنَاهُ: أَعْمَرَكُمْ بِأَنْ جَعَلَهَا لَكُمْ طُولَ أَعْمَارِكُمْ"، وَهَذَا كَقَوْلِ الْقَائِلِ: "أَعَمَرْتُك دَارِي هَذِهِ" يَعْنِي مَلَّكْتُك طُولَ عُمْرِك. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ"، وَالْعُمْرَى هِيَ الْعَطِيَّةُ إلَّا أَنَّ مَعْنَاهَا رَاجِعٌ إلَى تَمْلِيكِهِ طُولَ عُمْرِهِ، فَأَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ الْعُمْرَى، وَالْهِبَةَ وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ فِي تَمْلِيكِهِ عُمْرَهُ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْقِدُونَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ يَرْجِعُ إلَى الْوَاهِبِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ﴾ مَعْنَى الْأَوَّلِ: سَلَّمْت سَلَامًا وَلِذَلِكَ نَصَبَهُ، وَالثَّانِي جَوَابُهُ: عَلَيْكُمْ سَلَامٌ، وَلِذَلِكَ رَفَعَهُ. وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، إلَّا أَنَّهُ خُولِفَ بَيْنَهُمَا لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ الْحِكَايَةَ. وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ السَّلَامَ قَدْ كَانَ تَحِيَّةَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَنَّهُ تَحِيَّةُ الْمَلَائِكَةِ.