Skip to content

روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Printed page ٤٠٧

قلبه للصلاة والجهاد في آنٍ واحدٍ، وهذا بحسب سعة القلب، وضيقه، وقوته، وضعفه، قالوا: وكمال العبودية أن يتَّسع قلب العبد لشهود معبوده. ومراعاة آداب عبوديته فلا يشغله أحدُ الأمرين عن الآخر. قالوا: وهذا موجود في الشاهد، فإن الرجل إذا عمل عملاً للسُّلطان مثلًا بين يديه، وهو ناظر إليه يشاهده؛ فإنَّ قلبه يتسع لمراعاة عمله، وإتقانه، وشهود إقبال السلطان عليه، ورؤيته له، بل هذا شأْن كلِّ محبٍّ يعمل لمحبوبه عملًا بين يديه، أو في غيبته.

قالوا: وهذا رسول الله ﷺ بكى يوم موت ابنه إبراهيم (١)، فكان بكاؤه رحمة له، فاتسع قلبه لرحمة الولد، وللرضا بقضاء الله، ولم يشغله أحدهما عن الآخر، لكن الفضيل لم يتسع قلبه يوم موت ابنه لذلك، فجعل يضحك، فقيل له: أتضحك وقد مات ابنك؟ فقال: إن الله سبحانه قضى بقضاء، فأحببتُ أن أرضى بقضائه.

ومعلوم أن بين هذه الحال وحال رسول الله ﷺ تفاوت لا يعلمه [١١٠ أ] إلا الله، ولكن لم يتسع قلبه لما اتسع له قلب رسول الله ﷺ.

ونظير هذا اتساع قلب رسول الله ﷺ لغناء الجويريتين اللتين كانتا تغنيان عند عائشة (٢)، فلم يشغله ذلك عن ربه، ورأى فيه من مصلحة