Skip to content

التبصرة في أصول الفقه مسألة ١٥ الطرد والجريان شرط في صحة العلة وليس بدليل على صحتها

التبصرة في أصول الفقه

أبو إسحاق الشيرازي

Printed page ٤٦٢

وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ الطَّرْد دَلِيلا على صِحَة الْعلَّة لتكافأت الْأَدِلَّة لِأَنَّهُ مَا من أحد يذكر عِلّة مطردَة إِلَّا وَيُمكن مُقَابلَته بِمِثْلِهَا فَلَا يكون مَا ذَكرُوهُ أولى مِمَّا قابله بِهِ الْخصم

وَلِأَن أدنى أَحْوَال الدَّلِيل أَن يُوجب الظَّن وَقد رَأينَا الطَّرْد فِي علل لَا يغلب على الظَّن تعلق الحكم بهَا واتباعه لَهَا كَقَوْل من قَالَ فِي إِزَالَة النَّجَاسَة إِنَّه مَائِع لَا تبنى عَلَيْهِ القناطر وَلَا يصاد فِيهِ السّمك فَأشبه الدّهن والمرقة

وكقول من قَالَ من أَصْحَاب أبي حنيفَة فِي مس الذّكر إِنَّه طَوِيل مشقوق فاشبه البوق أَو مُعَلّق منكوس فَأشبه الدبوس وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يحسن الِاشْتِغَال بِذكرِهِ فَدلَّ على أَن الطَّرْد لَيْسَ بِدَلِيل على الصِّحَّة

وَاحْتج الْمُخَالف بقوله تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فَدلَّ على أَن مَا لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَاف فَهُوَ من عِنْد الله وَالْعلَّة إِذا اطردت فَهِيَ متفقة لَا اخْتِلَاف فِيهَا فَوَجَبَ أَن تكون من عِنْد الله

قُلْنَا إِن الْآيَة تدل على أَن مَا فِيهِ اخْتِلَاف فَلَيْسَ من عِنْد الله وَنحن نقُول بِهِ فَإِن الِاخْتِلَاف فِي الْعِلَل هُوَ الناقض وَذَلِكَ يدل على أَنه لَيْسَ من عِنْد الله وَلَيْسَ فِيهِ أَن مَا لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَاف فَهُوَ من عِنْد الله فَلَا حجَّة فِيهَا

قَالُوا عدم الطَّرْد يدل على فَسَادهَا وَهُوَ النَّقْض فَوَجَبَ أَن يكون وجود الطَّرْد يدل على صِحَّتهَا

قُلْنَا عَدمه إِنَّمَا يدل على فَسَاد الْعلَّة لِأَن وجوده شَرط فِي صِحَّتهَا وَهَذَا لَا يدل على أَن وجوده يدل على الصِّحَّة أَلا ترى أَن الطَّهَارَة لما كَانَت شرطا فِي صِحَة الصَّلَاة دلّ عدمهَا على فَسَاد الصَّلَاة ثمَّ لَا يدل وجودهَا على صِحَة الصَّلَاة حَتَّى يَنْضَم إِلَيْهَا غَيرهَا فَكَذَلِك هَاهُنَا

وَلِأَن الشَّيْء يجوز أَن يثبت بِمَعْنى وَلَا يثبت ضِدّه بِعَدَمِ ذَلِك الْمَعْنى