Skip to content

تأويل مشكل القرآن باب الرد عليهم في وجوه القراءات باب ما ادعي على القرآن من اللحن

تأويل مشكل القرآن

ابن قتيبة

Printed page ٩٦

من أمرهما، وتضق به صدرا، ولا تغلظ لهما.

والناس يقولون لما يكرهون ويستثقلون: أفّ له. وأصل هذا نفخك للشيء يسقط عليك من تراب أو رماد وغير ذلك، وللمكان تريد إماطة الشيء عنه لتقعد فيه. فقيل لكل مستثقل: أفّ لك، ولذلك تحرّك بالكسر للحكاية، كما يقولون: غاق غاق، إذا حكوا صوت الغراب.

والوجه أن يسكّن هذا، إلا أنه يحرّك لاجتماع الساكنين، فربما نوّن، وربما لم ينوّن، وربما حرّك إلى غير الكسر أيضا.

ومنه قوله تعالى: كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ [المائدة: ٦٤] يريد كلما هاجوا شرّا وأجمعوا أمرا ليحاربوا النبي ﷺ سكّنه الله ووهّن أمرهم.

ومنه قوله سبحانه: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:

١٥٧] . الإصر: الثّقل الذي ألزمه الله بني إسرائيل في فرائضهم وأحكامهم، ووضعه عن المسلمين. ولذلك قيل للعهد: إصر.

قال تعالى: وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران: ٨١] أي عهدي، لأن العهد ثقل ومنع من الأمر الذي أخذ له.

وَالْأَغْلالَ: تحريم الله عليهم كثيرا مما أطلقه لأمّة محمد، ﷺ، وجعله أغلالا لأن التحريم يمنع كما يقبض الغلّ اليد، فاستعير.

قال أبو ذؤيب «١» :

فليس كعهد الدّار يا أمّ مالك ... ولكن أحاطت بالرّقاب السّلاسل

وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... سوى العدل شيئا فاستراح العواذل

يقول: ليس الأمر كعهدك إذ كنا في الدّار ونحن نتبسّط في كل شيء ولا نتوقّى، ولكن أسلمنا فصرنا من موانع الإسلام في مثل الأغلال المحيطة بالرّقاب القابضة للأيدي.

ومن هذا قوله: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا [يس: ٨] ، أي قبضنا أيديهم عن الإنفاق في سبيل الله بموانع كالأغلال.