Skip to content

تأويل مشكل القرآن باب الرد عليهم في وجوه القراءات باب ما ادعي على القرآن من اللحن

تأويل مشكل القرآن

ابن قتيبة

Printed page ١٢٢

حتّى إذا يئس الرّماة فأرسلوا ... غضفا دواجن قافلا أعصامها

أي: علموا ما ظهر لهم فيئسوا من غيره.

وقال آخر «١» :

أقول لهم بالشّعب إذ يأسرونني ... : ألم تيئسوا أنّي ابن فارس زهدم

أي: ألم تعلموا.

ومن المقلوب: أن يقدّم ما يوضّحه التأخير، ويؤخّر ما يوضحه التقديم.

كقول الله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ [إبراهيم: ٤٧] ، أي مخلف رسله وعده، لأنّ الإخلاف قد يقع بالوعد كما يقع بالرّسل، فتقول: أخلفت الوعد، وأخلفت الرّسل، وكذلك قوله سبحانه: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧) [الشعراء: ٧٧] أي:

فإنّي عدوّ لهم، لأنّ كل من عاديته عاداك.

وكذلك قوله: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) [النجم: ٨] أي: تدلى فدنا، لأنّه تدلّى للدّنوّ، ودنا بالتّدلّي.

ومنه قوله سبحانه: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)

[القيامة: ١٤] أي: بل على الإنسان من نفسه بصيرة. يريد شهادة جوارحه عليه، لأنها منه، فأقامه مقامها.

قال الشاعر «٢» :

ترى الثّور فيها مدخل الظلّ رأسه ... وسائره باد إلى الشمس أجمع

أراد (مدخل رأسه الظلّ) فقلب، لأن الظلّ التبس برأسه فصار كل واحد منهما داخلا في صاحبه. والعرب تقول: (اعرض النّاقة على الحوض) تريد: اعرض الحوض على الناقة، لأنك إذا أوردتها الحوض: اعترضت بكل واحد صاحبه.