Skip to content

تأويل مشكل القرآن باب الرد عليهم في وجوه القراءات باب ما ادعي على القرآن من اللحن

تأويل مشكل القرآن

ابن قتيبة

Printed page ١١٩

وأما قول الله سبحانه: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) [الدخان: ٤٩] .

فبعض الناس يذهب به هذا المذهب، أي أنت الذليل المهان.

وبعضهم يريد: أنت العزيز الكريم عند نفسك. وهو معنى تفسير ابن عباس لأن أبا جهل قال: ما بين جبليها أعزّ مني ولا أكرم، فقيل له: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) [الدخان: ٤٩] .

ومن ذلك أن يسمّى المتضادّان باسم واحد، والأصل واحد.

فيقال للصبح: صريم، ولليل: صريم. قال الله سبحانه: فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) [القلم: ٢٠] ، أي سوداء كالليل، لأنّ الليل ينصرم عن النّهار، والنهار ينصرم عن الليل.

وللظّلمة: سدفة. وللضوء: سدفة. وأصل السّدفة: السّترة، فكأن الظلام إذا أقبل ستر للضّوء، والضوء إذا أقبل ستر للظلام.

وللمستغيث: صارخ. وللمغيث: صارخ، لأن المستغيث يصرخ في استغاثته، والمغيث يصرخ في إجابته.

ولليقين: ظنّ، لأنّ في الظن طرفا من اليقين. قال الله ﷿: قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ [البقرة: ٢٤٩] ، أي يستيقنون. وكذلك: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) [الحاقة: ٢٠] ، وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها [الكهف: ٥٣] ، وإِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [البقرة: ٢٣٠] ، هذا كلّه في معنى (اليقين) .

قال دريد بن الصّمة «١» :

فقلت لهم: ظنّوا بألفي مدجّح ... سراتهم في الفارسيّ المسرّد

أي تيقنوا بإتيانهم إيّاكم.

وكذلك جعلوا (عسى) شكّا ويقينا، (ولعلّ) شكّا ويقينا. كقوله: فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [الأنبياء: ٣١] ، أي ليهتدوا.