القسم الثالث من المعجم الأوسط للطبراني
قلت: وما فعلته أُمُّ سُلَيْم مع رسول الله ﷺ فعلته صحابية أخري من نساء الصحابة ﵃، وهي: كَبْشَة الْأَنْصَارِيَّة ﵂. فعن سُفْيَان بْن عُيَيْنَة، عَنْ يَزِيد بْن يَزِيد بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَة، عَنْ جَدَّةٍ لَهُ يُقَالُ لَهَا: كَبْشَةُ الْأَنْصَارِيَّةُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فَشَرِبَ مِنْهَا وَهُوَ قَائِمٌ، فَقَطَعَتْ فَمَ الْقِرْبَةِ؛ تَبْتَغِي بَرَكَةَ مَوْضِعِ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. (١)
خامساً: النظر في كلام المُصَنِف:
قال الطبراني ﵀: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيث عَنْ شَرِيكٍ إِلَّا عَلِيُّ بْنُ حَكِيمٍ وَمِنْجَابٌ.
قلت: وليس الأمر كما قال عليه من الله الرحمة والرضوان فلم يتفرد عَلِي بْن حَكِيم، وَمِنْجَاب بْن الحَارِث برواية هذا الحديث ــــــ الوجه الأول "رواية الباب" ــــــ عَنْ شريك. بل تابعهما عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة، وأَبُو غَسَّان النهدي مالك بن إسماعيل. كما سبق بيان ذلك في التخريج.
سادساً: التعليق علي الحديث:
وردت أحاديث تدل علي النهي عن الشرب قائمًا وأحاديث أخري تجيز ذلك. فذهب العلماء إلي أن الشرب قاعداً أفضل ويجوز الشرب قائماً، وأما نهيه ﷺ عن الشرب قائماً فمحمول علي كراهة التنزيه، وأما شربه ﷺ وهو قائم فلبيان الجواز لأمته فهو المعلم ﷺ. قال النووي ﵀: والصواب أنها كلها صحيحة - أي الروايات التي نهت عن الشرب قائماً والأخرى التي أجازت ذلك - والنهي فيها محمول على كراهة التنزيه وأما شربه ﷺ قائما فبيان للجواز فلا إشكال ولا تعارض. فإن قيل كيف يكون الشرب قائمًا مكروهًا وقد فعله النبي ﷺ؟ فالجواب أن فعله ﷺ إذا كان بيانًا للجواز لا يكون مكروهًا بل البيان واجب عليه ﷺ فكيف يكون مكروهًا وقد ثبت عنه أنه ﷺ توضأ مرة مرة وطاف على بعير مع أن الإجماع على أن الوضوء ثلاثًا والطواف ماشيًا أكمل ونظائر هذا غير منحصرة فكان ﷺ ينبه على جواز الشئ مرة أو مرات ويواظب على الأفضل منه وهكذا كان أكثر وضوئه ﷺ ثلاثًا ثلاثًا وأكثر طوافه ماشيًا وأكثر شربه جالسًا وهذا واضح لا يتشكك فيه من له أدنى نسبة إلى علم. (٢)