القسم الثالث من المعجم الأوسط للطبراني
قلت: لكن ما أثبتناه من ترجيح الوجه الثاني هو ما ذهب إليه أبو حاتم، وابن حجر، وما اقتضاه أيضاً سير البحث، والعلم عند الله تعالي.
رابعاً: الحكم علي إسناد الحديث:
الحديث بإسناد الطبراني ــــ الوجه الأول المرجوح ــــ "إسناده شاذ" وذلك لمخالفة الثقة لما رواه الأكثرية.
وأما الحديث بالوجه ــــ الثاني ــــ الراجح "إسناده صحيح " وأخرجه الحاكم في المستدرك من الوجه الراجح وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. (١)
خامساً: النظر في كلام المُصَنِف:
قال الطبراني ﵀: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ إِلَّا سَعِيدٌ.
قلت: والأمر في ذلك كما قال عليه من الله الرحمة والرضوان.
سادساً: شرح الغريب:
قال القاسم بن سلام: قَوْله: لَا يدارئ وَلَا يُمَارِي فَإِن المدارأة هَهُنَا مَهْمُوز من دارأت وَهِي المشاغبة والمخالفة على صَاحبك. وَمِنْهَا قَول اللَّه ﷿ ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ (٢) يَعْنِي اخْتلَافهمْ فِي الْقَتِيل. (٣) وقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: تُدَارِي مَهْمُوزٌ مِنْ الْمُدَارَاةِ، وَهِيَ الْمُدَافَعَةُ. وَتُمَارِي غَيْرُ مَهْمُوزٍ مِنْ الْمُمَارَاةِ، وَهِيَ الْمُجَادَلَة. (٤) وقال الطبري: كُنْتَ لَا تُمَارِي وَلَا تُدَارِي. يَعْنِي بِقَوْلِهِ: لَا تُدَارِي: لَا تُخَالِفُ رَفِيقَكَ وَشَرِيكَكَ وَلَا تُنَازِعُهُ وَلَا تُشَارِهِ. (٥) وقال ابن الملقن: يدارئ مَهْمُوز وَمَعْنَاهُ: يشاغب وَيُخَالف صَاحبه، قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ. وَقَالَ الْمُحب فِي «أَحْكَامه»: الرِّوَايَة يُدَارِي بِغَيْر همزَة ليزواج يُمَارِي. وَعبارَة ابْن الْأَثِير: المماراة المجادلة والملاحاة. قَالَ: وَوَقع فِي رِوَايَة «كنت لَا تشاري». وَقَالَ: وَهِي الملاحاة. قَالَ: والمداراة المدافعة. (٦)
سادساً: التعليق علي الحديث:
قال ابن مفلح ﵀: الْمِرَاءُ فِي اللُّغَةِ الْجِدَالُ يُقَال: مَارَى يُمَارِي مُمَارَاةً وَمِرَاءً، أَيْ: جَادَلَ. وَتَفْسِيرُ الْمِرَاءِ فِي اللُّغَةِ اسْتِخْرَاجُ غَضَبِ الْمُجَادِلِ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَرَيْتُ الشَّاةَ إذَا اسْتَخْرَجْتُ لَبَنَهَا. وَتُدَارِينِي مِنْ الْمُدَارَاةِ بِلَا هَمْزٍ وَرُوِيَ بِالْهَمْزِ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ. وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ: لَا تُمَارِيَنَّ حَكِيمًا، وَلَا تُجَادِلَنَّ لَجُوجًا، وَلَا تُعَاشِرَنَّ ظَلُومًا، وَلَا تُصَاحِبَنَّ مُتَّهَمًا. وَقَالَ أَيْضًا: يَا بُنَيَّ مَنْ قَصَّرَ فِي الْخُصُومَةِ خَصِمَ، وَمَنْ بَالَغَ فِيهَا أَثِمَ، فَقُلْ الْحَقَّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِكَ فَلَا تُبَالِ مَنْ غَضِبَ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كَفَى بِكَ ظَالِمًا