استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى
الطواف بين الصفا والمروة؛ لأنه كان من عملهم في الجاهلية، وقد كان على الصفا والمروة صَنمان في الجاهلية هُما: إِسَاف ونائِلَة (١)، والطواف لهما من شعائر الجاهلية، وربَّما قال بعضُهُم: إنما أُمِرنا بالطَّواف بالبيت، ولم نُؤمَر به بين الصفا والمروة. فتَحَرَّجوا لأجل هذا وذاك (٢)، فجاء الجواب في الآية مُطابِقًا لِسُؤالهم، ومُبَينًا أنه لا حَرَج في الطواف بينهما، وأنهما من شعائر الله تعالى ومُتَعَبَّداته.
الحكم على الاستدراك:
تَمَيَّزَ جوابُ عائشة ﵂ في هذا المَقام بأمرين غابا عن عروة (ت: ٩٤) (٣):
أوَّلُهُما: دِقَّة علمها، وفهمها الثاقب لدلالات الألفاظ، وفروقها، وقد ظهر هذا جَلِيًّا في وقوفها على معنى رفع الجُناح، وأنه لا دلالة فيه على الوجوب أو عدمه، ثُمَّ تفريقها بين رفع الجُناح عن الفعل، ورَفعِه عن الترك.
ثانِيهِما: معرفتها بسبب النُّزول، واستدلالها به على وجه نظم الآية، وأنها إنما كانت كذلك لأنها نزلت جوابًا لمن تَحَرَّج من الطواف بين الصفا والمروة، فرَفَعَت الحرجَ عن طوافهم على تلك الصورة التي تحرَّجوا منها، لا عن فعل الطواف نفسه. (٤)
ثم استَدلَّت بعد ذلك على وجوب الطواف بين الصفا والمروة بدليل خارجٍ عن الآية، وهو قولها: (بئسما قُلتَ يا ابن أُختي، طافَ رسول الله ﷺ، وطافَ المسلمون،