مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار
إِلى المُغَسِّلِ يأتِيْنِي يُغَسِلُنِي
وَقَالَ يا قَوْمُ نَبْغِي غَاسِلاً حَذقًا … حُرًّا أَدِيْبًا أَرِيْبًا عَارِفًا فَطِني
فَجَاءَنِي رَجُلٌ مِنْهُمْ فَجَردَنِي … مِن الثِيَابِ وَأعْرَانِي وَأفردَنِي
واطَّرحُونِي عَلَى الأَلْواحِ مُنْفَرِدًا … وَصَارَ فَوْقِي خَرِيْرُ المَاءِ يُنْظِفُنِي
وَأَسْكَبَ المَاءَ مِنْ فَوْقِي وَغَسَّلَنِي … غُسْلاً ثَلاثًا وَنَادَى القَوْمَ بِالكَفَنِي
وَأَلْبَسُونِي ثِيْابًا لا كُمُومَ لَهَا … وَصَارَ زَادِي حَنُوْطًا حِيْنَ حَنَّطَنِي
وَقَدَّمُونِي إِلى المِحْرَابِ وانصرفُوا … خَلْفَ الأمَامِ فَصَلَّى ثِم وَدَّعْنِي
صَلَّوا عَلَي صَلاةً لا رُكُوعَ لَهَا … وَلا سُجُودَ لَعَلَّ اللهَ يَرْحَمُنِي
وَأَنْزَلُونِي في قَبْرِي عَلَى مَهَل … وَأَنْزَلُوا وَاحِدًا مِنْهُم يُلَحِّدُنِي
وَكَشَّفَ الثَوْبَ عن وَجْهِي لِيْنَظُرنِي … وَأَسْبَلَ الدَّمْعَ مِِن عَيْنَيْهِ أَغْرَقَنِي
فَقَامَ مُحْتَرِمًا بِالعَزْمِ مُشْتَمِلاً … وَصَفَّفَ اللِّبنَ مِن فَوقِي وَفَارَقَنِي
وَقَالَ هُلُّوا عَلَيْهِ التُّرَبَ واغْتَنِمُوا … حُسْنَ الثَّوَابِ مِن الرحمنِ ذِي المِنَنِ
في ظُلْمَةِ القَبْرِ لا أُمُّ هُنَاكَ وَلا … أَبٌ شَفِيْقٌ وَلا أَخٌ يُؤَنِّسُنِي
وَأَوْدَعُونِي وَلَجُوا في سُؤالِهمُوا … مَا لِي سِوَاكَ إِلهي مَن يُخَلِّصُنِي
وَهَالَنِي صُوْرةٌ في العَيْنِ إِذْ نَظَرَتْ … مِن هَوْلِ مَطْلَعِ مَا قَدْ كَانَ أَدْهَشَنِي
من مُنْكَرٍ وَنَكِيْرٍ مَا أَقُولُ لَهُم … إِذْ هَالَنِي مِنْهُمَا مَا كَانَ أَفْزَعَنِي
فامْنُن عَلَيَّ بِعَفْو مِنْكَ يَا أَمَلِي … فَإِنَّنِي مُوثَقٌ بِالذَّنْبِ مُرْتَهَنِ
تَقَاسَمَ الأَهْلُ مالِيْ بَعْدَمَا انْصَرَفُوا … وَصَارَ وزْرِي عَلى ظَهْرِي فَأثْقَلَنِي
فَلا تَغُرَّنَكَ الدُّنْيَا وَزِيْنَتُهَا … وانْظُرْ إلى فِعْلِهَا في الأَهْلِ والوَطَنِ
وانْظُر إلى مَن حَوَى الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا … هَلْ رَاحَ مِنْهَا بِغَيْرِ الزَّادِ وَالكَفَنِ
خُذْ القَنَاعَةَ مِنْ دُنْيَاكَ وَارْضَ بِها …