منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن
وهذا مُنْكر عند اللغويين. قال ابن الأعرابي (١): العَرَب لا تَعْرِف اسْتَوى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى، ومَن قَال ذلك فَقد أعْظَم. قَالُوا: وإنَّمَا يُقَال: اسْتولى فلان على كذا، إذا كان بَعِيدًا عنه غَير مُتَمَكّن مِنه ثم تَمَكَّن مِنه. والله ﷿ لَم يَزَل مُسْتَولِيًا على الأشْيَاء. البَيْتَان لا يُعْرَف قَائلُهُما، كذا قال ابن فارس اللغوي، ولو صَحَّا فلا حُجَّة فِيهما لِمَا بَيَّنَّا مِنْ اسْتِيلاء مَنْ لَم يَكُنْ مُسْتَولِيًا (٢) نَعُوذ بِالله مِنْ تَعطيل الْمُلْحِدَة، وتَشْبِيه الْمُجَسِّمَة (٣).
واكْتَفَى بِهذا الإيضَاح، فلم يَتَطَرَّق إلى مَعْنَى "الاسْتِوَاء" في الْمَوَاضِع الأُخْرَى، إلَّا أنه نَقَل في تَفْسِير آيَة "الكرسي" عن الْخَطابي قَوله: وقد يَكُون مِنْ العُلُوّ الذي هو مَصْدَر عَلا يَعْلُو فَهو عَالٍ، كَقَولِه تَعَالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥]، ويَكُون ذلك مِنْ علاء الْمَجْد والشَّرف. يُقال مِنه: عَلِي يُعْلى علاء (٤).
وفي آيَة "النساء" اقْتَصَر على تَفْسِير الْمَعِيَّة بِالعِلْم، فَقَال: (وَهُوَ مَعَهُمْ) بِالعِلْم (٥).
وقال في آيَة "الحديد": قَوله تَعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) أي بِعِلْمِه وقُدْرَته (٦).