منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن
قِيل له: لَمَّا نَفَذَ له في آدَم مَا نَفَذ (١) غَلَب على ظَنِّه أنه يَنْفُذ له مِثْل ذلك في ذُرِّيَّتِه، وقَد وَقَع له تَحْقِيق مَا ظَنّ (٢).
وجَواب آخَر - وهو مَا أُجِيب مِنْ قَوله تَعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) [الإسراء: ٦٤]، فأُعْطِي القُوَّة والاسْتِطَاعَة، فَظَنّ أنه يَمْلِكُهم كُلّهم بِذلك، فَلَمَّا رَأى أنه تَاب على آدَم، وأنه سَيكُون له نَسْل يَتْبَعُونَه إلى الْجَنَّة، وقال: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) عَلِم أنَّ له تَبَعًا، ولآدم تَبَعًا، فَظَنّ أنَّ تَبَعه أكْثَر مِنْ تَبع آدَم لِمَا وُضِع في يَدَيه مِنْ سُلْطَان الشَّهَوَات، ووُضِعَتِ الشَّهوات في أجْوَاف الآدمِيِّين، فَخَرج على ما ظَنّ حَيث نَفَخ فيهم وزَيَّن في أعْيُنِهم تِلك الشَّهَوات، ومَدَّهم إليها بالأمَاني والْخَدَائع؛ فَصَدَّق عَليهم الظَّنّ الذي ظَنَّه، والله أعلم.
وقال: قَوله تَعالى: (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ) أي: لم يَقْهَرْهم إبْلِيس على الكُفْر، وإنّمَا كَان مِنه الدُّعَاء والتزْيِين، والسُّلْطَان: القُوَّة. وقِيل: الْحُجَّة، أي: لَم تَكُنْ لَه حُجَّة يَسْتَتْبِعُهم بِهَا، وإنّمَا اتَّبَعُوه بِشَهْوة وتَقْلِيد، وهَوى نَفْس، لا عَنْ حُجَّة ودَلِيل.